حدود أطروحة الإصلاح من داخل المؤسسات
لا تستقيم مناقشة أطروحة “الإصلاح من داخل المؤسسات” في الحالة المغربية إلا بعد إعادة ترتيب السؤال؛ فالقضية ليست، في المقام الأول، قضية نيات أخلاقية أو كفاءة تدبيرية، وإنما هي سؤال عن موضع السلطة الفعلية، وحدود التفويض الانتخابي، وطبيعة البنية الدستورية التي تتحكم في إنتاج القرار العمومي. ومن هذه الزاوية، لا يكون المطلوب شجب المشاركة السياسية من حيث المبدأ، بل فحص الدعوى الأقوى التي تستند إليها: هل تتيح المؤسسات المنتخبة، في صيغتها المغربية الراهنة، إمكان إصلاح بنيوي من الداخل، أم أنها لا تمنح إلا هامشاً وظيفياً محدوداً لإدارة الممكن داخل سقف مرسوم سلفاً؟
أولاً: سؤال السلطة قبل سؤال المشاركة
الخلل المنهجي الرئيس في كثير من الخطابات المنافحة عن أطروحة الإصلاح من الداخل أنها تبدأ من الواجهة المؤسساتية عوض أن تبدأ من مركز القرار؛ ذلك أن وجود برلمان منتخب وحكومة منبثقة عن الاقتراع لا يكفي وحده لإثبات أن هاتين المؤسستين تمثلان المصدر الحاسم للسيادة السياسية. فالقراءة الدستورية لنص 2011 تُظهر أن الملك يحتفظ بموقع محوري في البنية السياسية والدستورية، من خلال صفته أميراً للمؤمنين ورئيساً للدولة، ومن خلال اختصاصات نوعية تجعل المجلس الوزاري مجالاً مركزياً للقرارات الاستراتيجية والتعيينات العليا والتوجهات الكبرى. وعليه، فإن الحديث عن إمكانية الإصلاح والتغيير من داخل المؤسسات لا يصير معقولاً إلا إذا ثبت أولاً أن هذه المؤسسات قادرة حقيقةً على النفاذ إلى النواة الصلبة لصناعة القرار، لا أن تظل متحركة داخل هوامش مضبوطة مسبقاً.
ثانياً: من التمثيل الانتخابي إلى الإدماج الوظيفي
تُظهر الخبرة السياسية المغربية أن المشاركة الحزبية لم تُصمَّم دوماً بوصفها طريقاً إلى التداول الفعلي على السلطة، بل ظلت تشتغل بوصفها آلية لامتصاص التوتر الاجتماعي، وإعادة توزيع كلفة السياسات العمومية، وإضفاء مشروعية تعددية على نسق تظل فيه عناصر الحسم الأساسية خارج التنافس الحزبي المباشر. ومن ثمّ، فإن الإدماج داخل المؤسسات قد يتحول من أداة للتغيير إلى آلية للتطبيع مع حدود النسق وأطره المغلقة بإحكام؛ إذ ينتقل الفاعل الحزبي، تدريجياً، من خطاب تعديل موازين القوة إلى خطاب حسن التدبير داخل الهامش الممنوح له، ومن مساءلة البنية إلى التكيف معها. هنا لا يعود الاندماج مساراً للإصلاح بقدر ما يصير مساراً لإعادة قولبة الفاعل نفسه.
ثالثاً: واقع الاختبار التجريبي ودليله
لا تحسم هذه المسألة بالنيات، وإنما بالمآلات. وتُعدّ تجربة التناوب التوافقي أواخر التسعينيات، ثم تجربة حزب العدالة والتنمية بين 2011 و2021، حالتين كاشفتين. ففي التجربة الأولى، دخلت المعارضة التاريخية إلى الحكومة من دون أن يترتب على ذلك تحول نوعي في بنية السلطة أو في موقع الوزارات السيادية أو في قواعد الحسم الاستراتيجي. أما في التجربة الثانية، فقد دخل حزب العدالة والتنمية الحكومة في سياق إقليمي وداخلي استثنائي، ورفع شعار محاربة الفساد والاستبداد، لكنه انتهى، عملياً، إلى التعايش مع حدود النسق أكثر من تغييره. وقد مثّل “بلوكاج” 2017 لحظة مكثفة كشفت أن شرعية الصناديق عاجزة عن فرض منطقها حين تصطدم بمستوى آخر من الضبط السياسي. ثم انتهت التجربة إلى تآكل القاعدة الرمزية للحزب وتراجعه الانتخابي الحاد سنة 2021، بعد انتقاله من 125 مقعداً إلى 13 مقعداً.
رابعاً: الهندسة الانتخابية وحدود التمثيل
يزيد هذا المعطى وضوحاً حين يُنظر إلى النظام الانتخابي نفسه؛ فالتعديلات التي عرفها القانون الانتخابي سنة 2021، ولا سيما اعتماد القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بدلاً من الأصوات الصحيحة المعبر عنها، ثم إلغاء العتبة، لم تكن مجرد تفصيل تقني محايد، بل أعادت تشكيل الخريطة التمثيلية بطريقة تحدّ من إمكان تشكل أغلبية سياسية قوية. وحتى حين دافعت بعض القوى عن هذه التعديلات باسم التعددية والعدالة الانتخابية، فإن أثرها العملي مال إلى مزيد من التشظي الحزبي وإضعاف قابلية النتائج الانتخابية للتحول إلى سلطة تنفيذية متماسكة تستند إلى تفويض سياسي واضح. وبذلك يصبح الاقتراع نفسه، لا أداة لحسم التنافس، بل أداة لإدارته ضمن حدود تمنع انبثاق مركز حكومي قوي مستقل نسبياً.
خامساً: بين المشاركة المدنية والإصلاح البنيوي
ينبغي هنا التمييز بدقة بين مستويين غالباً ما يُخلطان عمداً أو سهواً: الأول هو المشاركة داخل المؤسسات من أجل الدفاع عن مطالب جزئية أو تحسينات قطاعية أو حماية بعض المكتسبات، وهذا ممكن بقدر ما تسمح به الهوامش، والثاني هو الإصلاح البنيوي بمعنى إعادة ترتيب مصادر السلطة والمسؤولية والمحاسبة، وهذا هو الادعاء الذي يحتاج إلى برهان أقوى بكثير، إذ يبدو بالغ الهزال في ضوء السيرورة التاريخية وصيرورته والتجربة المتكررة، المُعاشة بمرارة وحسرة، بما انطوت عليه من إضاعة للأزمنة والفرص. لذلك فليس كل اشتغال مؤسسي إصلاحاً، وليس كل حضور انتخابي انتقالاً ديمقراطياً. إن قيمة هذا التمييز أنه ينقل النقاش من مستوى الشحنة الوجدانية إلى مستوى التحليل: من يزعم أن المؤسسات القائمة تسمح بإصلاح من الداخل، عليه أن يبين كيف يمكن لهذه المؤسسات أن تُخضع مراكز القرار غير المنتخبة لمنطق المساءلة السياسية، لا أن تكتفي بإدارة السياسات تحت سقفها.
خاتمة
المحصلة في نهاية التحليل هي أن نقد أطروحة الإصلاح من داخل المؤسسات لا يقتضي رفضاً مبدئياً لكل مشاركة، ولا تمجيداً مجرداً للمقاطعة، بل يقتضي أولاً الدقة في توصيف ما تسمح به البنية السياسية المغربية وما لا تسمح به. والمشكل في الخطاب المدافع عن هذه الأطروحة أنه يقفز من إمكان الاشتغال في الهوامش إلى دعوى القدرة على تغيير المركز، ومن إمكان تحصيل بعض المكاسب إلى دعوى الإصلاح البنيوي. وبين المستويين مسافة منهجية وسياسية كبيرة. لذلك، فإن الصياغة الأكثر صرامة هي تلك التي تقرر بوضوح أن الرهان الحقيقي لا يتعلق بمجرد ولوج المؤسسات، بل بسؤال الشروط التي تجعل المؤسسات نفسها قابلة لأن تكون فضاءً فعلياً للسلطة والمحاسبة؛ وما لم تُطرح هذه الشروط بجدية، ظلّ الإصلاح من الداخل أقرب إلى شعار تعبوي منه إلى أطروحة مؤسَّسة دستورياً وسياسياً.
باحث في فلسفة التواصل وتحليل الخطاب.