حج 2026... نحو 1.7 مليون حاجّ في مشهد يوحّد المسلمين

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

عشية عيد الأضحى، تتجه أنظار ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة، حيث بلغ الحج ذروته بالوقوف على صعيد عرفات. ولا يبدو الحج، في صورته الأعمق، مجرد انتقال إلى أماكن مقدسة أو أداء لمناسك محددة، بل رحلة إيمانية واجتماعية كبرى، يتجرد فيها الإنسان من كثير من مظاهر الدنيا، ويقف مع ملايين غيره في مشهد واحد، تتداخل فيه العبادة الفردية مع معنى الجماعة، في مشهد استثنائي قلما يتكرر.

 

رحلة إيمانية

لا ينظر إلى الحج بوصفه شعيرة موسمية فحسب، بل باعتباره تجربة إيمانية عميقة الأثر، إذ يقول الدكتور جابر طايع يوسف، رئيس القطاع الديني السابق بوزارة الأوقاف المصرية، لـ"النهار" إن "الحج ليس مجرد انتقال إلى أماكن مقدسة أو أداء حركات مخصوصة، بل هو رحلة عبودية شاملة يعود فيها الإنسان إلى أصل علاقته بالله. ففي الإحرام، يخلع المسلم مظاهر التفاوت، وفي التلبية يعلن الاستجابة، بينما تتجدد في الطواف والسعي والوقوف بعرفة معاني التوبة والافتقار والرجوع إلى الله". 


وبحسب رؤية طايع، لا ينفصل الحج عن تهذيب النفس؛ فهو مدرسة تجمع بين الصبر والانضباط وترك الجدل والشهوات. ويستشهد في ذلك بقوله تعالى: "فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ". ومن هنا، يصبح المقصود من الشعيرة أوسع من مجرد الحركة بين المشاعر، إذ يتحول الحج إلى اختبار عملي لقدرة الإنسان على ضبط نفسه، والتخفف من كبريائه، وإعادة ترتيب علاقته بالله وبالناس.


ويتابع: "لكن الحج، رغم مركزيته الدينية، ليس فرضاً مجرداً من شروط الواقع. فمفهوم الاستطاعة، كما يشرحه علماء الأزهر، لا يقتصر على القدرة المالية وحدها، بل يشمل القدرة البدنية والأمنية والتنظيمية أيضاً. إذ يقول تعالى: "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا"، فمن لا يملك نفقات الحج الزائدة عن حاجاته الأصلية وحاجات من يعول، أو كان سيقع في ديون مرهقة، أو منع نظامياً بسبب التصاريح والقيود، فلا يكون آثماً بتأخير الحج حتى تتحقق الاستطاعة". 


وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في موسم الحج المعاصر، حيث لم تعد الرحلة مرتبطة فقط برغبة الفرد وقدرته الروحية، بل أصبحت محكومة أيضاً بإجراءات السفر، والتأشيرات، والقدرة الصحية، والتكاليف، وتنظيم الحشود. لذلك لا ينبغي تقديم الحج بوصفه واجباً دينياً منفصلاً عن شروط القدرة، بل باعتباره فريضة مشروطة بما يرفع الحرج ويحفظ النفس والحقوق.


يؤدي المسلمون صلاة المساء حول الكعبة (AFP)

 


وتشير الأرقام إلى حجم هذا الحدث الديني والتنظيمي. ففي موسم حج 1446هـ، 2025، أعلنت الهيئة العامة للإحصاء السعودية أن إجمالي عدد الحجاج بلغ 1,673,230 حاجاً، منهم 1,506,576 من خارج السعودية، و166,654 من الداخل، فيما بلغ عدد الذكور 877,841، والإناث 795,389. ويكشف هذا التوزيع أن الحج حدث عالمي بالأساس، إذ يأتي نحو تسعة من كل عشرة حجاج من خارج المملكة. 


أما في موسم حج 1447هـ، 2026، فلم يصدر بعد الرقم النهائي لإجمالي الحجاج من الهيئة العامة للإحصاء السعودية. غير أن الرقم الرسمي المتاح حتى الآن يضع عدد حجاج الخارج عند 1,518,153 حاجاً. وبإضافة تقديرية لحجاج الداخل قريبة من مستوى الموسم السابق، يمكن تقدير إجمالي عدد الحجاج بنحو 1.68 مليون حاج، أي قرابة 1.7 مليون.



قلب التجربة الإيمانية

يقول الدكتور جابر طايع، إن الوقوف بعرفة يمثل ذروة الحج، موضحاً: "لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحج عرفة، فهذا الركن هو أعظم أركان الحج، حتى إن من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج كله. وفي يوم عرفة يبلغ معنى الافتقار إلى الله ذروته، إذ يقف ملايين البشر في مكان واحد، وبلباس واحد، يرفعون أيديهم بالدعاء والتوبة، وكأن المشهد يذكر بيوم الحشر. كما أن يوم عرفة من أعظم أيام المغفرة، وفيه يباهي الله تعالى ملائكته بأهل الموقف، ولذلك يعد الوقوف بعرفة قلب التجربة الإيمانية في الحج".


"غير أن قوة الحج لا تكمن فقط في شعائره التعبدية، بل في أثره الاجتماعي أيضاً. فهو يقدم نموذجاً للمساواة بين المسلمين، لا بمعنى إلغاء اختلافاتهم، بل بردهم إلى أصل واحد من الكرامة والعبودية. يختلف الناس في اللغات والألوان والعادات والأوطان، لكنهم يجتمعون في قبلة واحدة وشعائر واحدة وغاية واحدة. لذلك يصبح الإحرام رمزاً لتجريد الإنسان من مظاهر التفاخر، دون أن يمحو شخصيته أو ثقافته". على ما يقول طايع.

 

ويوضح رئيس القطاع الديني السابق بوزارة الأوقاف المصرية: "يمتد هذا البعد الاجتماعي مع عيد الأضحى والأضحية. فالحج عبادة مقصودة بذاتها، مرتبطة بزمان ومكان ومناسك محددة، أما العيد والأضحية فيبرز فيهما معنى التكافل بصورة أوضح، من خلال إطعام الفقراء، وصلة الأرحام، وإدخال السرور على الناس. وبذلك لا تنتهي آثار الحج عند الحاج وحده، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع، في صورة مشاركة مادية ورمزية أوسع". 


 لا تكتمل صورة الحج هذا العام بأعداد الواصلين إلى مكة وحدها، فهناك أيضا آلاف الغائبين قسراً. قبل الحرب، كان ما لا يقل عن 3000 حاج من غزة يؤدون الفريضة سنوياً، لكن القيود على الحركة وإغلاق المعابر حرمتهم من السفر، وتحكي ناجية أبو لحية، النازحة في خان يونس لوكالة رويترز، أنها وزوجها سجلا للحج واختير اسماهما قبل الحرب، لكن الإغلاق حال دون سفرهما، قبل أن يتوفى زوجها وهي لا تزال تنتظر فرصة أداء الفريضة.


في هذه الحالة، لا تبقى الاستطاعة مجرد قدرة مالية وبدنية، بل تتحول إلى سؤال إنساني وفقهي يرتبط بالأمن وإمكان الوصول، ويرى الدكتور جابر طايع أن ظروف أهل غزة تدخل في حكم من فقد القدرة الواقعية والأمنية على أداء الفريضة. موضحاً أن الفقه الإسلامي قرر أن من فقد الأمن أو منع قهراً من الوصول إلى الحج لا يكون مكلفاً به حتى تزول الموانع، لأن الاستطاعة شرط للوجوب، مستشهدا بقوله تعالى: "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها". 


في النهاية، تكشف هذه الرحلة الإيمانية عن معادلة دقيقة؛ فإلى جانب أنه فريضة عظيمة لا تنفصل عن القدرة، فإنه أيضاً شعيرة فردية لا تكتمل صورتها إلا داخل جماعة واسعة، وعبادة روحية تحتاج في عصرنا إلى تنظيم معقد يحمي الحجاج ويدير حركة الملايين، الذين ينتظرون من العام إلى الآخر هذه الرحلة الإيمانية التي قد تحدث تغير روحي كبير في  حياة أصحابها.



مئات الآلاف يطوفون حول الكعبة (AFP)

 

حجاج غزة الغائبون

لا تكتمل صورة الحج هذا العام بأعداد الواصلين إلى مكة وحدها، فهناك أيضا آلاف الغائبين قسراً. قبل الحرب، كان ما لا يقل عن 3000 حاج من غزة يؤدون الفريضة سنوياً، لكن القيود على الحركة وإغلاق المعابر حرمتهم من السفر، وتحكي ناجية أبو لحية، النازحة في خان يونس لوكالة "رويترز"، أنها وزوجها سجلا للحج واختير اسماهما قبل الحرب، لكن الإغلاق حال دون سفرهما، قبل أن يتوفى زوجها وهي لا تزال تنتظر فرصة أداء الفريضة.

 

في هذه الحالة، لا تبقى الاستطاعة مجرد قدرة مالية وبدنية، بل تتحول إلى سؤال إنساني وفقهي يرتبط بالأمن وإمكان الوصول، ويرى الشيخ جابر طايع أن ظروف أهل غزة تدخل في في حكم من فقد القدرة الواقعية والأمنية على أداء الفريضة. موضحاً أن الفقه الإسلامي قرر أن من فقد الأمن أو منع قهراً من الوصول إلى الحج لا يكون مكلفاً به حتى تزول الموانع، لأن الاستطاعة شرط للوجوب، مستشهدا بقوله تعالى: "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها".


اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية