حج 2026: نجاح كبير وسط أزمة هرمز
في يوم الجمعة التاسع من ذي الحجة 1447هـ، الموافق 26 أيار/مايو 2026م، وقف أكثر من 1.7 مليون حاج وحاجة على صعيد عرفات. الرقم في ذاته كبير، والمشهد في ذاته مهيب، والإدارة في لحظة كهذه ليست اختباراً تنظيمياً عادياً، بل امتحان لدولة بكامل أجهزتها وقدرتها على تحويل الزحام البشري الهائل إلى حركة منضبطة وآمنة.
فبعدما أعلنت الهيئة العامة للإحصاء السعودية أن إجمالي حجاج موسم 2026 بلغ 1,707,301 حاج وحاجة، منهم 1,546,655 قدِموا من خارج المملكة، و160,646 من الداخل، أعلن الأمير سعود بن مشعل، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، يوم الجمعة عن "نجاح موسم الحج"، مشيراً إلى أن الموسم شهد "منظومة متكاملة من الأمن والتنظيم والخدمات مكّنت ضيوف الرحمن من أداء مناسكهم بكل يسر وطمأنينة". ولا تبدو هذه العبارة، في ضوء ما جرى، مجرد صياغة رسمية. فالموسم نجح فعلاً.
ما يجعل حج 2026 استثنائياً ليس حجمه فقط، بل سياقه. فالمنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ الغزو العراقي للكويت عام 1990؛ حرب مدمّرة في غزة دخلت عامها الثالث، وتوترات مفتوحة من البحر الأحمر إلى لبنان إلى اليمن إلى السودان. وعلاوة على كل هذا هناك الاعتداءات الأميركية والإسرائيلية على إيران والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج. ومع ذلك وصل 1.5 مليون حاج من 165 جنسية إلى مكة المكرمة. الحج لم يتوقف، وهذه رسالة سياسية ودينية لا تقل أهمية عن أي بيان رسمي: ما زالت هناك مساحة في هذه المنطقة قادرة على استقبال الجميع، ولو كان ما حولها مشتعلاً.
نعم، نجح الموسم. نعم، نجحت المنظومة. نعم، لم تُسجَّل حوادث كبرى. لكن أي قراءة جادة لا تستطيع أن تقفز فوق رقم واحد: 2,489,406 حجاج. هذا هو عدد حجاج موسم 2019م، آخر موسم كامل قبل الجائحة. وبعد سبع سنوات، وبعد استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتقنية والخدمات، لم يتجاوز عدد الحجاج في 2026 حاجز 1.71 مليون، أي أقل بنحو 780,000 حاج عن مستوى ما قبل كوفيد.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي. فالمسألة لم تعد مجرد تعافٍ بطيء من الجائحة. في 2023م بلغ عدد الحجاج 1.845 مليون، ثم انخفض في 2024م إلى 1.833 مليون، ثم إلى 1.673 مليون في 2025م، قبل أن يرتفع قليلاً في 2026م إلى 1.707 مليون. أي أن المسار لا يتجه صعوداً بثبات، بل يتحرك داخل نطاق يتراوح بين 1.6 و1.85 مليون، من دون أن يقترب من عتبة المليونين، فضلاً عن العودة إلى رقم 2019م.
قد يكون وراء ذلك قرار غير معلن بإعطاء الأولوية للجودة على الكثافة. وربما يكون الأمر نتيجة ارتفاع تكاليف الحج عالمياً في ظل التضخم وضعف عملات دول ذات أعداد حجاج كبيرة، مثل إندونيسيا وباكستان ونيجيريا. وربما يلعب قطاع الطيران الدولي دوراً حاسماً، مع ارتفاع أسعار وقود الطائرات، وأزمة الطائرات المجمّدة لدى شركات عدة في أسواق ناشئة، وتأثير التوترات الإقليمية على بعض الرحلات. ويزداد هذا الاحتمال وزناً حين نعرف أن 96% من الحجاج الخارجيين يصلون جواً، ما يجعل منظومة الحج كلها شديدة الحساسية لأي اضطراب في الطيران الدولي.
في المقابل، لا يمكن التقليل من حجم ما نجح فعلاً. فقد كشفت مجموعة إس تي سي (stc) عن منظومة رقمية متقدمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي أدارت أحد أكثر الأيام ذروة في العالم وهو يوم عرفة بمؤشرات لافتة: ارتفعت حركة البيانات بنسبة 42%، وتجاوزت حصة شبكة الجيل الخامس 51% من إجمالي الاستخدام بنمو 16% عن العام الماضي، وسجّلت الشبكة جاهزية تشغيلية بلغت 99.9% طوال يوم عرفة. كما عالجت أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر من 99.9% من قرارات إدارة الشبكة آلياً خلال ساعات الذروة.
ولم تكن التقنية وحدها في الواجهة. فقد دعمت "سدايا"، الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، 75 موقعاً في المشاعر المقدسة و14 مركزاً للضبط الأمني. ونفّذت وزارة التجارة أكثر من 53,000 جولة رقابية وتموينية في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وضمنت تصعيد أكثر من 712 مليون سلعة إلى المشاعر المقدسة. وبلغ عدد العاملين في خدمة الحجاج هذا الموسم 441,049 موظفاً وموظفة، إضافة إلى 26,701 متطوع. هذه ليست أرقاماً هامشية؛ إنها صورة لدولة تدير موسماً دينياً بحجم مدينة عالمية مؤقتة، في ذروة الضغط، وتنجح في ذلك.
لكن التقنية ليست جواباً كاملاً. فالاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والاتصال، والرقابة، وإدارة الحشود، يخدم جودة التجربة وسلامة الحاج قبل أن يخدم رفع العدد بالضرورة. إدارة 1.7 مليون حاج بأمان وانسيابية قد تكون، من زاوية تشغيلية، أفضل بكثير من إدارة 2.5 مليون في حالة ضغط وفوضى. وهذا منطق مفهوم. بل قد يكون هو الخيار الأذكى إن كانت المملكة تريد بناء نموذج حج أكثر جودة وأقل مخاطرة. لكن هذا المنطق يحتاج إلى تصريح أوضح، لا إلى ترك الأرقام وحدها تتحدث.
ولهذا تبدو المفارقة واضحة: لدينا نجاح تشغيلي كبير، لكن لدينا أيضاً لغزاً رقمياً لا يقل أهمية. كيف يمكن لمنظومة توظف 441,049 عاملاً وعاملة، وتدير أكثر من 712 مليون سلعة، وتحقق جاهزية تقنية بنسبة 99.9%، وتستفيد من الذكاء الاصطناعي بهذه الكثافة، أن تبقى أعداد الحجاج فيها أدنى بنحو 780,000 حاج من مستوى 2019م؟ هل نحن أمام سقف استيعابي مقصود؟ أم أمام سوق عالمي يضغط على قدرة المسلمين على أداء الفريضة؟ أم أمام طيران دولي أصبح هو الحلقة الأضيق في سلسلة الحج؟ أم أمام مزيج من كل ذلك؟
الأرقام الخمسة التي ينبغي ألا تغيب عن الذاكرة تقول الكثير: 1,707,301 إجمالي حجاج 2026م؛ 780,000 تقريباً هي الفجوة مع عدد حجاج 2019م البالغ 2.489 مليون؛ 441,049 عدد العاملين في خدمة الحجاج، أي ما يقارب حاجاً واحداً لكل 3.9 موظفين؛ 42% نسبة ارتفاع حركة البيانات في شبكة إس تي سي يوم عرفة؛ و388,694 عدد المستفيدين من مبادرة "طريق مكة" من 165 جنسية هذا الموسم، بعدما كان 322,901 في 2024م.
هذه الأرقام لا تنقض رواية النجاح، لكنها تمنعها من أن تكون رواية مكتملة. فموسم حج 2026 كان ناجحاً بكل المقاييس التشغيلية والأمنية، وانتهى من دون حوادث كبرى في أكثر سنوات التوتر الإقليمي خطورة منذ عقود. وهذا إنجاز يستحق الإشادة.