حادثة منع دفن امرأة تجدد مطلب إحداث مقابر مشتركة لإنهاء صراعات القبائل
أعادت واقعة منع دفن جثمان امرأة بجماعة أغبالو نكردوس التابعة لإقليم الرشيدية النقاش إلى الواجهة حول استغلال المقابر كوسيلة للصراع القبلي، بعد أن ظل الجثمان مسجى لمدة 24 ساعة أمام مقبرة مغلقة بسبب نزاع بين قبيلتين على حدود الدفن والملكية.
المشهد الذي طوقته قوات الدرك الملكي وكاد يتحول إلى مواجهة مباشرة لم يكن سوى تجسيد لأزمة أعمق تتكرر في مناطق قروية عديدة، حيث يتحول الموت إلى مناسبة لتجديد الخلافات بدل توحيد الصفوف، فبدل أن تكون لحظة الدفن فضاء للتضامن والتراحم تصبح ساحة لاستحضار الثارات القديمة وتقسيم التراب حسب الانتماء، وكأن حرمة الميت أهون من حدود القبيلة.
فور وقوع الحادث تدخلت السلطات المحلية والإقليمية لاحتواء التوتر، ليتم في الأخير دفن السيدة أمس الجمعة بحضور أمني مكثف، فيما قررت الجماعة الترابية تحويل المقبرة إلى “مقبرة جماعية” مفتوحة أمام ساكنة الدواوير المتجاورة. لكن هذا الحل الترقيعي لم يقنع الفاعلين المحليين الذين اعتبروا أن الأزمة لن تنتهي إلا بمعالجة جذرية لمصدر الصراع المرتبط أساسا بتدبير أراضي الجموع وغياب وعاء عقاري واضح للمقابر.
وتعليقا على الموضوع كشف جمال بعمر، فاعل حقوقي بجهة درعة تافيلالت، أن حساسية الموضوع تكمن في أن أراضي الجموع، التي تشيد عليها أغلب المقابر القروية، تخضع للوصاية المباشرة لوزارة الداخلية باعتبارها الناظر الشرعي والقانوني عليها، مضيفا: “وهذا يعني أن أي نزاع حول قطعة أرض مخصصة للدفن هو في جوهره نزاع حول أرض جماعية يفترض أن تكون ملكا لجميع السكان دون تمييز عرقي أو قبلي، لكن على أرض الواقع تحولت هذه الأراضي إلى مجال لتثبيت النفوذ القبلي وتكريس منطق ‘هذه مقبرتنا وهذه مقبرتكم'”.
وتابع بعمر، في تصريح لهسبريس، بأنه “أمام تكرار مثل هذه الحوادث تصاعدت الدعوات لإحداث مقابر جماعية مشتركة بين جماعتين أو أكثر، تدبر بشكل موحد من طرف الجماعات الترابية تحت إشراف وزارة الداخلية ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية”، موضحا أن “الفكرة تقوم على توفير مساحات كافية مجهزة ومسيجة، بسجلات دفن مركزية، وببوابات موحدة لا تسأل عن انتماء الميت القبلي، بل تطبق قاعدة واحدة: التراب لله، والدفن حق دستوري لكل مواطن”.
من جهته يرى السعيد النخلاوي، خبير في التدبير الترابي بإقليم الرشيدية، أن “المقابر الجماعية المشتركة ليست مجرد حل تقني لضيق المساحات، وإنما هي مشروع مجتمعي لإنهاء منطق التجزئة القبلية”، مشيرا إلى أن “تجارب سبقت في بعض أقاليم المغرب أثبتت أن توحيد المقابر بين دواوير متجاورة خف من حدة النزاعات، وقلل من كلفة التجهيز والصيانة على كل جماعة على حدة، وكرس مفهوم النجاعة الترابية بدل هدر الموارد على مقابر ضيقة متعددة”.
وأبرز المتحدث ذاته، في تصريح خاص لهسبريس، أن “الإشكال الأعمق الذي تطرحه واقعة الرشيدية يتجاوز المقابر إلى طبيعة ‘أراضي الجموع’ نفسها”، مضيفا أن “هذه التسمية التي ارتبطت تاريخيا بالتنظيم القبلي للأرض أصبحت اليوم مدخلا لإعادة إنتاج العنصرية والتمييز داخل الجماعة الواحدة”، ومؤكدا أنه “طالما بقي مفهوم ‘أرض الجماعة السلالية الفلانية’ قائما سيبقى الباب مفتوحا أمام المزايدات والصراعات حول من له الحق ومن لا حق له، حتى في لحظة الموت”.
ويطالب فاعلون جمعويون وحقوقيون بجهة درعة تافيلالت وزارة الداخلية، بصفتها الوصية على أراضي الجموع، بوضع مخطط وطني عاجل لإنهاء هذا المشكل على الصعيد الوطني، مشيرين إلى أن المخطط يجب أن يتضمن إعادة هيكلة الوضعية العقارية للمقابر وتحويلها من “ملك قبلي” إلى “مرفق عمومي” تابع للجماعة الترابية، بتمويل من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وبرامج تأهيل العالم القروي، وبدعم من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، داعيا إلى حذف شيء اسمه “أراضي الجموع” من قاموس التدبير العقاري المعاصر، أو على الأقل إعادة تعريفها قانونيا بما يلغي أي بعد قبلي أو سلالي، والحجة أن الدولة الحديثة لا يمكنها أن تبني المواطنة المتساوية على أراض تدار بمنطق القرن الماضي، وأن استمرار هذا الوضع يغذي نزعات عصبية يفترض أن الدستور والقانون تجاوزاها.
ومن الناحية الدينية يؤكد فقهاء وعلماء أن حرمة الميت خط أحمر، وأن الإسلام لم يعرف يوما مقابر مغلقة أمام قبيلة ومفتوحة أمام أخرى، موردين أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مدعوة، إلى جانب الداخلية، إلى إصدار دليل وطني موحد لتدبير المقابر يمنع صراحة أي إغلاق أو تمييز، ويعتبر رفض دفن أي مسلم جريمة تمس كرامة الإنسان التي كرمها الله.
ولم يخف عدد من المواطنين، في تصريحات متفرقة لهسبريس، أن أزمة أغبالو نكردوس يجب أن تكون نقطة تحول لا مجرد حادث عابر يتم طيه بعد الدفن، مؤكدين أن الدولة مطالبة اليوم بقرار شجاع يضع حدا لصراعات القبور التي لا تليق بمغرب 2026؛ فإما أن نستمر في ترقيع الأزمات كلما مات شخص أو أن نتحلى بالجرأة الكافية لإعادة الاعتبار للموتى والأحياء معا.
The post حادثة منع دفن امرأة تجدد مطلب إحداث مقابر مشتركة لإنهاء صراعات القبائل appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.