جيلُ ٱَعوَج
الاب ايلي قنبر
1-"إيمان"... ذو معنى مزدوج
بحسَب كيرلُّس الأورشليميّ كلمة إيمان تحمل معنى مزدوجاً: الأُول يتعلّق بالعقائد، والآخر كنعمة من الرُّوح القدس يُعطيها الإله لكلّ إنسان، فَتكون لديه القدرة على صنع أمور عظيمة. على ألَّا "يَشُكُّ في قَلبِه، بل يُؤمِنُ بِأَنَّ ما يَقولُه (يُريده) سيَحدُث". فيُثمر كَحبّة الخردل التي تكبر وتًغني كثيرين. أعدّ يسوع التلاميذ لمواجهة شتّى الاحتمالات، غير أنّ ظروف حياتهم لم تُعدّهم لحياة نوعيّة. نحن نعلم أنّ التربية تلعب دوراً كبيراً كي يكتسب الطفل(ة) الثقة بنفسه ويُنمّيها مدى العُمر ليكون أفضل نسخة من نفسه.
لقد أعطى يسوع هذه الملاحظة لتلاميذه على انفراد إحتراماً: "أَيُّها ٱلجيلُ غَيرُ ٱلمُؤمِنِ ٱلأَعوَج... "قالها تحفيزاً لاكتساب الثقة بالنفس: "بمقدوركم أن تعملوا أعمالاً عظيمة كالتي عملتها، لا بل أعظم منها". كما أنّه أعطاهم مفتاحاً به يدخلون الى عالم التجلّي معه وبه، لأنّ الملكوت كائن في داخلهم عبر "الصلاة والصوم". فلِمَ لَم يستطيعوا أن يشفوا الابن الذي قُدِّم إليهم؟ هل خافوا من أعراض الصرَع أَم فشلوا في الاستعراض المُتمَحوِر حول الأنا "المريضة"؟
من أعراض هذه الأنا (المريضة) "النازيّة الجديدة" الفاشيّةِ التوجُّه والممارَسة، المنتشرة في الغرب كما في الكَيان الغاصِب ولدى بعض مجتمعنا الّلبنانيّ. وهي تُناقض الايمان بـ"الحبّ" الذي يبذل ذاته في سبيل الجميع.
رواية هرتزل المُعنوَنة "أرض الميعاد - التنويلاند" تُعدّ "مريضة" لأنّه "يُسقِط (فيها) هذا اليهودي المضطهَد في دور جديد (كـ)حامل حضارة" ينبغي استنساخها".
والأنا المتضخِّمة والمريضة يتّصف بها الأميركيّ في تعامله مع لبنان: "الأخطر أن اتفاق الإطار... يتضمّن، امتناع الطرفين عن السعي إلى أشكال من المُساءلة القانونية عن أفعال الحرب. هذه ليست مادة إجرائية هامشية. إنها تعني الانتقال مباشرة من التدمير إلى النسيان، من دون المرور بالحقيقة والعدالة والتعويض". فالسياسة الأميركية "لا تعالج الاقتلاع، بل تمنحه زمناً سياسياً كي يترسّخ".
أمّا المثَل الأخير للأنا المريضة فهو السلطة المتحكِّمة بلبنان والتي تجهل معنى الوطنيّة: فـ"الوطنية هي قبل كل شيء مساواة في الالتزام بالدولة. ومن غير المقبول أن تكون هناك طبقة تدفع ثمن الدفاع عن الوطن، وطبقة أخرى تتمتع بحصانة تجعلها فوق كل مُساءلة". وهناك مَن يجد أنّ الشريك في الوطن لا يُشبهُه ويفضّل إبعاده عن الوطن أو التفرّد بوطن له لا شركة للآخَر فيه، مُستَخرِجاً "التقسيم كأنه النتيجة الطبيعية للتعدّد، فيما هو في الحقيقة اعتراف بفشل السياسة وانسحاب من مهمة بناء الدولة". شريك السلطة زعِم أنّه "قام بثورة" في 2019، لم تصِل الى خواتيمها. إذ ّ "الثورة عملية مستمرة من التسييس والوعي والنضال، ولا تكون ثورية بحق إلا إذا كانت تحررية شاملة، تجمع ما فرّقته الأنظمة القديمة والجديدة من قضايا ومطالب وإنسان". الأمر الذي لا يفقهُه مُدّعو "الثورة" التي حرّكها مَن ابتدع "الربيع العربيّ" وحصد "الفوضى الخلّاقة" التي أراد.
2-"إِنَّ ٱبنَ ٱلإِنسانِ سَيُسلَمُ ..."
نحن مجتمع يعاني من إبادة وحشيّة يدعمها بلا هوادة العالم"المتمدِّن" المتحالف مع الصهيونيّة والخانع امام بطش مرتكبها. لكنّا مجتمع يئنّ ويتمخّض، بل"الخَليقَةَ كُلَّها تَئنُّ وتَتَمَخَّضُ إلى اليَوم"! ولا بدّ من أن نعمل كي ما يتحقّق تحرُّرنا من"عبوديّة الفساد إلى حريّة مجد أولاد الله"، الى عالم يسوده العدل والسلام والنَماء. نحن نرجو ونعمل ليأتي ربيعُ عالمٍ يليق بالانسان.
وللتوصل الى ما نُنشِده، ينبغي أن يبدأ كلٌّ منّا من ذاته، ومن العائلة التي يعيش فيها وتلك التي سيَبنيها مع الشريك(ة)، مروراً بالمدرسة والجامعة والعمل، وتعاوناً مع شركائنا في الانسانيّة أنّى حلّوا، ومن خلال أنشطتنا على أنواعها وصولاً الى كوكبٍ للانسان، لا عليه ومن دونه.
بدايةً، عليّ أن أتوب الى نفسي، غائصاً في معرفة نقاط قوّتها وهِناتها كي ما أنمو في أمام الله و أمام أشباهي. هذا يُتيح لي معرفة الآخَر في ذاته وقبوله كما هي/هو بكلّ ما فيه من حسنات وما يصطبغ به من سيّئات، والعمل معه على بناء علاقة ملؤها التفهّم المتبادل والتعاطف والتعاون في كلّ سبيل وصنع السلام. من هنا أهميّة الآنشطة الجَماعيّة منذ نعومة أظفارنا، في البناء الذي نسكن وفي الحيّ كما في المدرسة والجامعة، كما في مكان عملنا وفي الجمعيّات الأهليّة والإقليميّة والأُمميّة. على أن يكون الايمان بالله والصلاة المشترَكة مع الشريك(ة) من المعتقدات الأُخرى لأنّهما يُساهمان في بلورة شخصيّة سلاميّة ومنفتحة ومتضامنة وفاعلة تحترم الحياة على هذا الكوكب بأشكالها المختلفة والمتعدِّدة.
على أن تكون القيادات الروحيّة جميعها عاملة وفاعلة (يو 5: 17) لأن "لا يمكن للكنيسة أن تتقدّم بقيادات تختار الصمت طلباً للسلامة، أو تفضّل الولاء على الكفاءة على أن تبتعد عن الـ"فرضية (الـ)خاطئة، (التي ترى) أن الجماعة الدينية أو الثقافية لا تستطيع أن تعيش بأمان وكرامة إلا إذا امتلكت سلطة سياسية منفصلة وأرضاً خاصة بها".
حينئذٍ، لا يذهب سُدى موت "ابن الانسان".
المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية