جيل بلا سياج
حين تبدأ موجات الحر في تسخين الإسفلت وتتنفس الأجساد أخيرًا من ضغط الشتاء، يحدث شيء آخر في الخفاء، أقل وضوحًا لكنه أثقل عاقبة. القاصرون لا يخرجون فقط نحو البحر والغابات، بل يخرجون في كثير من الأحيان من آخر ما تبقى من رقابة الأسرة، ومن أي شعور حقيقي بالحدود. تبدأ الرحلة بصورة جماعية تبدو بريئة، وتنتهي أحيانًا بعلاقات مرتبكة وسلوكات متهورة، وبـ”تجارب” لا يدرك أصحابها ثمنها إلا حين يفوت الأوان.
نحن أمام جيل يتعلم كل شيء بسرعة مذهلة، إلا معنى المسؤولية. يحفظ لغة الشاشات ويتعامل مع الفضاء الرقمي بمهارة، لكنه يتعثر في أبسط قواعد الاحترام والتحمل. قلة الأدب لم تعد استثناءً يستوقف أحدًا، بل تحولت رويدًا رويدًا إلى سلوك عادي، يجد له أصحابه تسميات مقبولة من قبيل “الجرأة” و”التحرر”. في الشارع والمقهى والشاطئ وحتى داخل المؤسسة التعليمية، يمكن قراءة هذا التحول بوضوح: خطاب فظ، علاقات عاطفية خفيفة سريعة الاشتعال والانطفاء، وجرأة تخفي خلفها هشاشة لا يراها إلا من يتأمل جيدًا.
غير أن الإنصاف يقتضي التوقف هنا لحظة. فما سبق ليس حكمًا على جيل بأكمله، ولا صورة شاملة تطال الجميع بالتساوي. ثمة شباب وشابات يُكذّبون هذه الصورة كل يوم، نشأوا في بيوت أعطت التربية حقها، فخرجوا بوعي وبحس مسؤولية يستحق الاعتراف. هؤلاء موجودون، وليسوا قلة، لكنهم لا يصنعون الضجيج الذي يصنعه غيرهم، ولهذا يختفون خلف صورة الاستثناء حين هم في الحقيقة النموذج الذي ينبغي الاحتذاء به. الحديث هنا ليس عنهم، بل عن الخلل الذي يتشكل حين تغيب التربية أو تتراجع، وعن الفراغ الذي يملأه الشارع حين تتخلى الأسرة عن دورها.
لكن إلقاء كل هذا على عاتق المراهقين وحدهم فيه قدر كبير من الظلم والتبسيط. ما نراه اليوم هو، في جوهره، ثمرة فراغ تربوي طال امتداده. الأسرة التي كانت تُؤطر وتراقب وتناقش، صارت في كثير من البيوت إما غائبة جسديًا بسبب ضغط المعيشة، أو غائبة رمزيًا لأنها تنازلت تدريجيًا عن دورها لصالح الهاتف والمدرسة والشارع. يُهدى الهاتف للطفل وسيلةً للطمأنينة، فيتحول بهدوء إلى بوابة مفتوحة على عوالم لا يملك القاصر أدوات التمييز فيها. تُترك الأسئلة بلا أجوبة، فيبحث الأبناء عن إجاباتها في أماكن أبعد وأقل أمانًا.
وحين تقع الحوادث، من علاقات مشبوهة إلى استغلال صريح، يرتفع الصوت الجماعي المعتاد: الدولة مقصرة، الأمن نائم، القوانين قاصرة. لكن نادرًا ما يتوقف أحد عند السؤال الأول والأصعب: من فتح هذا الباب؟ من قرر أن “الثقة” تعني الغياب التام؟ ومن آثر الصمت حين ظهرت أولى الإشارات التحذيرية؟
المدرسة من جهتها لم تعد في وضع يمكّنها من أداء دورها كما ينبغي. المعلم الذي كان في زمن قريب مربيًا قبل أن يكون ناقل معرفة، جُرِّد تدريجيًا من سلطته المعنوية. أغرقته المذكرات التنظيمية والتقارير الإدارية والمتابعات البيداغوجية التي تراقب الشكل ولا تصل إلى الجوهر. صار مطالبًا بضبط الوقت وتحقيق الأهداف وإدارة القسم، دون أن يُفسح له أي هامش حقيقي لبناء علاقة تربوية تترك أثرًا. وإن حاول التدخل لتصحيح سلوك أو التنبيه على انحراف، وجد نفسه أحيانًا أمام اتهامات جاهزة تُفرغ فعله من معناه قبل أن يكتمل.
في هذا الفراغ المركب، حيث تتراجع الأسرة وتتقيد المدرسة ويتسامح المجتمع مع كثير من الانزلاقات، تنبت تلك الرحلات المشبوهة كعرَض طبيعي لخلل أعمق. لا أحد يخطط لها بوصفها انحرافًا، لكنها تتشكل بهدوء من تفاصيل صغيرة متراكمة: صداقة بلا توجيه، خروج بلا وجهة واضحة، ثقة بلا متابعة، وفضول مراهق لا يجد من يرشده.
المفارقة أننا لا نتحرك إلا حين تتضخم الوقائع وتصبح مادة للرأي العام. عندها نبحث عن كبش فداء يخفف عنا وطأة الإحساس بالتقصير، نرفع مطالبنا من الدولة، ندين الانحلال الأخلاقي، نكتب منشورات غاضبة، ثم نعود بهدوء إلى نفس الممارسات التي ولّدت المشكلة في الأصل.
المطلوب ليس خطابًا أخلاقيًا يكتفي بالإدانة، ولا حنينًا ساذجًا إلى ماضٍ لن يعود. المطلوب إعادة ترتيب بسيطة لكنها حاسمة للأدوار. الأسرة مدعوة لاستعادة حضورها، لا كسلطة قمع وإرغام، بل كفضاء حوار ومتابعة وتوجيه. أن تعرف مع من يخرج أبناؤها وإلى أين ولماذا، دون أن يتحول ذلك إلى تحقيق بوليسي، ودون أن يُترك كذلك للصدفة وحدها. والمدرسة مدعوة لأن تُعاد لمعلمها مكانته وهامشه، ليستطيع إعادة بناء دوره التربوي الحقيقي، لأن المعرفة وحدها لا تحصّن أحدًا من الضياع.
أما الدولة فدورها لا غنى عنه في حماية القاصرين من الاستغلال وتأطير الفضاءات العامة وإطلاق برامج توعية جادة لا موسمية تنتهي بانتهاء الصيف. لكن تحويلها إلى وصيّ مطلق على تفاصيل الحياة اليومية هو في النهاية هروب من الاعتراف بأصل الداء.
ما نراه ليس مجرد انفلات صيفي عابر. إنه مرآة تعكس خللًا ممتدًا في طريقة تنشئة جيل بأكمله. جيل يُترك ليواجه العالم وحيدًا، ثم نندهش حين يضيع في أول منعطف. وربما آن الأوان لنعترف بصوت مسموع أن حماية القاصرين لا تبدأ من لحظة الخطر، بل من تلك التفاصيل اليومية الصغيرة التي نختار، بوعي أو بدونه، أن نمر بجانبها غير مبالين.
The post جيل بلا سياج appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.