جون غراي والسقوط الكبير

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

أكرم بزي

 

 

 

أفرز العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تحولاً جذرياً في بنية النظام الدولي، حيث انتقل العالم من مرحلة القطبية الواحدة التي تهيمن عليها الولايات المتحدة الى فوضى جيوسياسية أعادت تشكيل الخارطة العالمية بشكل غير مسبوق. الغلاف الاخير لمجلة "نيو ستيتسمان" البريطانية الصادر في 10 نيسان\إبريل 2026 لم يكن مجرد عنوان صحافي عابر، بل كان توصيفاً دقيقاً للحظةٍ تاريخية فارقة سماها الفيلسوف والمنظّر السياسي البريطاني جون غراي السقوط الكبير. هذا السقوط، بحسب غراي، لم يكن وليد مصادفة بل محصلة لتآكلٍ داخلي طويل الامد وقراراتٍ استراتيجية اتسمت بالانعزالية، بدأت ملامحها تتبلور بوضوح مع عودة دونالد ترامب الى المشهد وتفكيكه الممنهج لشبكة التحالفات الدولية.
ويرى جون غراي أن القوة الاميركية فقدت شرعيتها كضامن للامن العالمي مع تبني سياسة أميركا أولاً بشكل راديكالي، مما دفع القوى الاقليمية الى البحث عن بدائل وتحالفات جديدة بعيداً عن المظلة الاميركية. هذا التحول لم يضعف النفوذ السياسي فحسب، بل ادى الى انهيار الثقة بالدولار كعملة احتياط عالمية، وهو ما يمثل القلب النابض للامبراطورية الاقتصادية. إن انسحاب واشنطن من الاتفاقات الدولية خلق فراغاً هائلاً سارعت قوى مثل الصين وروسيا الى ملئه بذكاءٍ استراتيجي، مما جعل القطب الواحد مجرد ذكرى في كتب التاريخ.
من جانب آخر، يقدم المفكر والمؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي إيمانويل تود رؤيةً أكثر عمقاً تركز على البنية التحتية والاجتماعية للولايات المتحدة. ففي كتابه هزيمة الغرب الصادر في كانون الثاني\يناير 2024، أشار تود الى أن تراجع مستويات التعليم وارتفاع معدلات الوفيات وتفكك النسيج الاسري كانت إرهاصات مبكرة لهذا الانهيار. فالامبراطورية التي كانت تصدّر التكنولوجيا والثقافة أصبحت اليوم تعاني من فجوةٍ طبقية هائلة وانقسام مجتمعي حاد، مما جعلها عاجزةً عن انتاج إجماعٍ وطني على أي قضية استراتيجية. ويرى تود أن الحرب الاوكرانية التي بدأت في 2022 كانت بمثابة كاشف للمخبر، بحيث أظهرت أن القدرة الصناعية الغربية لم تعد تضاهي التحالف الأوراسي الصاعد.
وينضم الى هذا المشهد التحليلي كبير الواقعيين الاميركيين وأستاذ العلوم السياسية جون ميرشايمر، الذي حذر في تحليلاته المنشورة عبر منصة "سابستاك" في 15 تشرين الثاني\نوفمبر 2025، من أن الولايات المتحدة ارتكبت خطأ استراتيجياً فادحاً بدفع روسيا والصين نحو تحالفٍ وثيق. يرى ميرشايمر أن النخبة الحاكمة في واشنطن، التي تتبنى الليبرالية الامبريالية، فشلت في إدراك موازين القوى الواقعية، مما أدى الى استنزاف الموارد الاميركية في صراعاتٍ لا تخدم المصلحة القومية العليا. وبالنسبة إليه، فإن الاخفاق الاميركي نابع من وهم الهيمنة الذي جعل واشنطن تتوسع عسكرياً خارج حدود طاقتها، مما أدى في النهاية الى انكسار الهيبة العسكرية والسياسية أمام قوى إقليمية صاعدة.
وفي المقابل، يقدم الكاتب المتخصص في شؤون العولمة توماس فريدمان، قراءة يسودها الاحباط في مقالاته بصحيفة "نيويورك تايمز"، ولاسيما منه مقاله الصادر في 12 شباط\فبراير 2026 بعنوان "العالم لم يعد مسطحاً". يرى فريدمان أن الولايات المتحدة فقدت ميزتها التنافسية بسبب فقدان البوصلة الاخلاقية والتقنية، مشيراً الى أن الاخفاق في إدارة ثورة الذكاء الاصطناعي والاعتماد المفرط على سلاح العقوبات أديا الى تفتت الشبكة العالمية التي كانت تديرها أميركا. أما المفكر السياسي فرانسيس فوكوياما، فقد حذر في دراساته لعام 2025 من أن النظام الديموقراطي يواجه خطراً وجودياً بسبب السياسة الهوية والقطبية الحادة، إذ أصبحت السياسة الخارجية رهينةً للصراعات الحزبية، مما أفقد أميركا موثوقيتها كشريكٍ دولي دائم.
إن سقوط الامبراطورية الاميركية، بحسب هؤلاء المفكرين، هو نتاج تلاقي أزماتٍ داخلية وخارجية في لحظة زمنية واحدة. وما يؤكد هذه النظريات ما نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" في 19 إبريل 2026، حول القصة الداخلية للحرب على ايران، إذ كشف التقرير أن الرئيس ترامب انجرّ الى صراعٍ عسكري بضغط من بنيامين نتنياهو والسناتور ليندسي غراهام من دون رؤية واضحة، معتقداً أن الامر سيكون سهلاً، ليصطدم بواقع مغاير تماماً عند إغلاق مضيق هرمز وتدهور الاقتصاد الاميركي.
يرسم التقرير صورةً لرئيسٍ أدرك خطأه خلال أسابيع وقضى بقية النزاع في البحث عن مخرج، مدفوعاً بتراجع شعبيته في استطلاعات الرأي. إن هذا التخبط في إدارة الملفات المعقدة يثبت صحة ما ذهب اليه المنظّرون عن تدني مستوى أداء الادارة الأميركية وانكسار هيبتها، ويؤكد أن عام 2026 سيظل محفوراً في الذاكرة كعام الاعلان الرسمي عن نهاية العصر الاميركي وبداية عهد التعددية القطبية المضطربة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية