جهة النهر
منذ بدء هذه الحرب الكبرى وهي تسجّل في عالم القتال سوابق، لا سابقة لها. بدل أن يكون حلف الناتو شريكا مباشرا وحليفا كليا مع زعيمته أميركا، يتصرف الفريقان مثل خصوم على وشك إعلان العداء، أو الانفصال. وبدل البحث عن تفاهم احتياطي يقينا ذروة الانفجار، مزّق المتحاربان وثيقة التفاهم الوحيدة مثل أطفال متقاتلين لا مثل جنود في ميدان عسكري. وبدل أن يشمل القتال ساحة الحرب وحدها، فإن إيران تمدّ يدها كل يوم وتقصف الأردن.
دولة مستقلة بعيدة لا يدري أحد بأيّ مبرر ضربها كلما خطر لها توسيع نطاق الثأر. الثأر ممن؟ ولماذا؟ يكاد الخلاف يكون مثل نزاعات القرى. طفوليات بصواريخ باليستية. يحاول الأردن الحفاظ على سلوك الدول وآدابها في أقصى ضوابطها. في الأزمات والخلافات يحاول الابتعاد ما استطاع.
ولكن مذ بدأت هذه الحرب، هذه المقتلة الهوجاء، يفيق العالم كل يوم وإيران ترسل الحرائق إلى ثلاثة من أكثر بلدان العالم هدوءا وحيادا وأدبا وكياسة: الأردن والبحرين والكويت. لا. لا أعرف لماذا الأردن، لأنه قلما هو في الأحداث. وإذا حدث وكان، فعلى الجانب الهادئ والرزين من السياسة والمدرسة الملكية التي أرساها الحسين بن طلال، الرجل الذي تعرض للحملات والشتم والبذاءة كما لم يتعرض له أحد. ولم يجب.
ولم يفقد مرة تلك الشجاعة التي يولد عليها الملوك ويربّون. يذكّرنا وضع الأردن على خريطة العبث الإيراني السوريالي المنفلت بأيام كان الحسين يصغي إلى الخطب في قاعات القمة، ثم يصفق لها باسما.
عاشت القمة عقودا تحت عنوانين: آداب الملوك وحماسيات المظفرين. شتائم ومعارك وحروب في كل مكان. وضياع رهيب. وقصف على كل شيء. ها هي إيران تتولى المهمة الآن من دون أي تكليف. مسكينة شعوب المنطقة.