جنوب لبنان على تخوم النار والهوية
عبدالله ناصرالدين
لم يكن جنوب لبنان يوماً مجرد مساحة جغرافية تقع على الحدود مع فلسطين المحتلة، بل شكّل عبر التاريخ الحديث نقطة تقاطع بين المشاريع الإقليمية والدولية، ومسرحاً لصراعات تجاوزت في أبعادها الحدود اللبنانية لتطال مستقبل المنطقة بأكملها. ومنذ قيام كيان الاحتلال عام 1948 على أرض فلسطين، تعرّض الجنوب اللبناني لسلسلة طويلة من الاعتداءات والحروب والاجتياحات تخللها العديد من المجازر التي تركت آثاراً مدمرة على الإنسان والعمران والاقتصاد والبنية الاجتماعية.
تاريخياً، برّرت حكومات الاحتلال المتعاقبة عملياتها العسكرية في لبنان باعتبارات أمنية مرتبطة بحماية الحدود الشمالية. إلا أن الوقائع الميدانية، من اجتياح عام 1978 المعروف بعملية "الليطاني"، إلى الاجتياح الشامل عام 1982، وصولاً إلى الحروب والاعتداءات اللاحقة، أظهرت أن الأهداف تجاوزت في كثير من الأحيان مجرد البعد الأمني لتشمل إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي في لبنان والمنطقة.
ففي عام 1978، أصدر مجلس الأمن الدولي القرارين 425 و426 اللذين أكدا بصورة واضحة ضرورة انسحاب إسرائيل الفوري وغير المشروط من الأراضي اللبنانية واحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه. ورغم ذلك، استمر الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء واسعة من الجنوب حتى عام 2000، في مخالفة واضحة لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
وعند دراسة الفكر السياسي الإسرائيلي منذ عقود، يمكن ملاحظة وجود تيارات متعددة داخل المجتمع الإسرائيلي. فبينما تركز الحكومات الرسمية في بياناتها على مفهوم "الأمن القومي"، ظهرت في أوساط سياسية وأيديولوجية ودينية متطرفة أطروحات تتحدث عن "توسيع النفوذ الإسرائيلي أو إعادة رسم خرائط المنطقة". وقد أثارت تصريحات بعض المسؤولين والسياسيين الإسرائيليين خلال السنوات الأخيرة مخاوف واسعة، لا سيما عندما تضمنت حديثاً عن مناطق عازلة طويلة الأمد أو وجوداً عسكرياً دائماً داخل الأراضي اللبنانية (قبل الحرب الأخيرة)، الأمر الذي يتعارض مع قواعد السيادة المعترف بها دولياً، حيث تُكرّس المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الحق الطبيعي والقانوني للدول في الدفاع عن نفسها، بشكل فردي أو جماعي، في حال تعرضها لهجوم مسلح.
ويذهب بعض الباحثين والمراقبين إلى النظر لما يجري اليوم باعتباره جزءاً من صراع يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، ليطال البنية الجيوسياسية التي قامت عليها دول المشرق العربي منذ اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916. فمهما تعددت الآراء حول تلك الاتفاقية ونتائجها، فإن الحدود التي أفرزتها تحوّلت مع مرور الزمن إلى واقع قانوني كرّسته المعاهدات الدولية وقرارات الأمم المتحدة. وعليه، فإن أي مسعى لفرض خرائط جديدة بالقوة أو لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة خارج إطار الشرعية الدولية، يُعدّ مساساً بمبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها، ويفتح الباب أمام مرحلة من عدم الاستقرار تهدد النظام الإقليمي برمّته.
وفي هذا السياق، يرى العديد من الباحثين أن الحروب التدميرية التي تستهدف البنية التحتية والقرى والبلدات لا تؤدي فقط إلى خسائر بشرية ومادية، بل قد تسعى أيضاً إلى خلق وقائع سياسية جديدة من خلال الضغط على المجتمعات المحلية، وإضعاف عوامل الصمود، ودفع السكان إلى النزوح، بما يغيّر التوازنات الديموغرافية والاقتصادية في المناطق الحدودية.
غير أن التجربة اللبنانية أثبتت، عبر عقود من الصراع، أن الحفاظ على السيادة لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل عبر معادلة متكاملة تقوم على ثلاثة عناصر أساسية: أولاً، تعزيز الوحدة الوطنية الداخلية باعتبارها خط الدفاع الأول عن الدولة.
ثانياً، التمسك بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تؤكد حق لبنان في أرضه وحدوده المعترف بها.
ثالثاً، بناء قدرات الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والقضائية بما يضمن حماية المواطنين والأرض ويمنع الإعتداء وفرض الوقائع بالقوة.
إن ما يواجهه جنوب لبنان اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل صراع يرتبط بمستقبل السيادة الوطنية وبقدرة اللبنانيين على حماية موقع بلادهم ودورها وهويتها. وبين مشاريع القوة ومنطق القانون، يبقى الرهان الأساسي على صمود الإنسان اللبناني بشكل عام والمواطن الجنوبي بشكل خاص وتمسكه بأرضه وحقوقه، وعلى قدرة الدولة والمجتمع معاً على تحويل التضحيات إلى عناصر قوة تحفظ لبنان موحداً وسيداً ومستقلاً في مواجهة كل المخططات والتحديات تحت قاعدتين أساسيتين ، لبنان أولاً، ووطن نهائي لجميع ابنائه وبنيه.