جنوب لبنان... أهميّة استراتيجيّة جعلته في قلب الصّراع

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

منذ الحرب التي اندلعت على الحدود الجنوبية في تشرين الأول/أكتوبر 2023، عاد جنوب لبنان إلى صدارة الاهتمام السياسي والإعلامي، نظراً لموقعه ودوره في التطورات الإقليمية.

 

فما الذي نعرفه عن هذه المنطقة التي لطالما شكّلت محوراً للأحداث؟

يشغل جنوب لبنان الجزء الجنوبي من البلاد، ويحدّه شرقاً سوريا وجنوباً إسرائيل. وتمتد حدوده من نهر الأولي شمالاً، عند المدخل الشمالي الساحلي لمدينة صيدا، وصولاً إلى الناقورة على الحدود جنوباً، ومن شاطئ البحر الأبيض المتوسط غرباً حتى مشارف البقاع عند بلدة مشغرة شرقاً.

 

وتنقسم الحدود الجنوبية إلى ثلاثة قطاعات تُعرف باسم "الخط الأزرق": القطاع الغربي الذي تقع فيه منطقة الناقورة، والقطاع الأوسط الذي يضم من بين أبرز بلداته عيتا الشعب ومارون الراس وبنت جبيل، إضافة إلى القطاع الشرقي الذي يُعد الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية، إذ يضم قرى منطقة العرقوب الواقعة على سلسلة جبلية مطلة على فلسطين.

 

وعلى المستوى الإداري، يتوزع جنوب لبنان بين محافظتي الجنوب المطلة على البحر المتوسط، والنبطية التي تشمل أجزاء من القطاعين الأوسط والشرقي.

 

تبلغ مساحة جنوب لبنان نحو 1045 كيلومتراً مربعاً، ويقطنه ما يقارب 800 ألف نسمة. وتُظهر الإحصاءات السكانية الرسمية التي أُجريت خلال فترتي الانتداب الفرنسي والاستقلال، ولا سيما أعوام 1921 و1933 و1961 و1964، أن سكان الجنوب شكّلوا نحو 20% من إجمالي سكان لبنان، ما وضع المنطقة في المرتبة الثالثة من حيث عدد السكان بعد محافظتي جبل لبنان ولبنان الشمالي.

 

وتعود أصول غالبية سكان جنوب لبنان إلى جذور عربية، فيما تنحدر أقليات منهم من أصول تركية وفارسية وأوروبية، كما تعود أصول عدد من العائلات الساحلية إلى المغرب العربي. ويتميز الجنوب بتنوعه الديموغرافي والطائفي، إذ يشكل الشيعة الكتلة السكانية الأكبر، يليهم الموارنة ثم السنّة، إلى جانب حضور لمختلف الطوائف والمذاهب الأخرى.

 

وينتمي معظم المسلمين في جنوب لبنان إلى الطائفة الشيعية التي تتبع المذهب الجعفري، فيما يشكل السنّة الجزء المتبقي من المسلمين، ويتمركز معظمهم في المدن الساحلية، ولا سيما صيدا. كما هناك أعداد محدودة جداً من الدروز. أما المسيحيون، فيشكلون أقلية سكانية ويتركز وجودهم الأساسي في المناطق الداخلية من الجنوب.

 

وقد حمل جنوب لبنان على مدى قرون تسميات عدة، أبرزها "جبل عامل" و"بلاد البشارة"، قبل أن يتراجع استخدام هذين الاسمين مع إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920. وعلى امتداد تاريخه، شكّل الجنوب ساحة لتقاطعات وصراعات إقليمية ودولية، وشهد محطات مفصلية تركت آثاراً واضحة على واقعه الجغرافي وبنيته السياسية.

 

مدينة صور جنوبي لبنان (رويترز).

 

جغرافيا الجنوب ومناخه... وما أهم مدنه؟

يتنوع المشهد الجغرافي في جنوب لبنان بين المناطق السهلية والهضبية والجبلية، إضافة إلى شريط ساحلي يمتد من الناقورة جنوباً حتى صيدا شمالاً. كما يضم ثروة مائية كبيرة تُقدّر بنحو ثلث الموارد المائية في لبنان.

 

ويتميّز الجنوب بتضاريسه الوعرة التي تتخللها الأودية العميقة والمرتفعات الجبلية، ومن أبرز قممه جبل الباروك قرب بيت الدين، وجبلا نيحا والريحان في منطقة جزين.
وتفصل بين هذه الجبال ممرات طبيعية عدة، من أهمها ممر مرجعيون، الذي يشكل فاصلاً بين جبل لبنان في الجنوب الشرقي من بيروت وجبل عامل في الجنوب المحاذي للحدود اللبنانية الإسرائيلية.

 

ويسود جنوب لبنان المناخ المتوسطي المعتدل الذي يطبع معظم المناطق اللبنانية، حيث يتميز بشتاء ماطر وصيف حار وجاف. وتختلف الظروف المناخية نسبياً بين منطقة وأخرى تبعاً لتنوع التضاريس وامتدادها بين الساحل والمرتفعات الداخلية.

 

ويضم جنوب لبنان عدداً من المدن والبلدات الرئيسية التي لعبت أدواراً تاريخية واقتصادية وثقافية بارزة. وتُعد صيدا، الواقعة على ساحل البحر المتوسط، بوابة الجنوب وثالث أكبر المدن اللبنانية، فيما تُعرف صور بتاريخها البحري العريق وآثارها الفينيقية والرومانية المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

 

أما النبطية، فتشكل مركزاً حيوياً في الداخل الجنوبي وحلقة وصل بين الساحل والقرى الجبلية، وتتميز بإرثها الثقافي والتاريخي. وتبرز جزين كواحدة من أهم الوجهات السياحية في الجنوب بفضل طبيعتها وشلالاتها الشهيرة، فيما تحتل الناقورة أهمية خاصة لكونها بلدة حدودية تحتضن المقر العام لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).

 

كما تُعد بنت جبيل من أبرز مدن الجنوب نظراً لموقعها القريب من الحدود الإسرائيلية، وقد اكتسبت شهرة واسعة خلال الصراعات التي شهدتها المنطقة، فيما تُعرف جويّا بمكانتها العلمية والإدارية وبكونها من أكبر مدن قضاء صور من حيث عدد السكان والخدمات.

 

إلى ذلك، يضم جنوب لبنان خمسة مخيمات رئيسية للاجئين الفلسطينيين، تتوزع بين منطقتي صيدا وصور. ويُعد مخيم عين الحلوة، الذي أُنشئ عام 1949 قرب صيدا، الأكبر من حيث المساحة وعدد السكان.

 

كما تضم المنطقة مخيمات الرشيدية والبرج الشمالي والبص في محيط مدينة صور، إضافة إلى مخيم المية ومية شرق صيدا. وتستضيف هذه المخيمات عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين، وتشكل جزءاً أساسياً من الواقع الاجتماعي والديموغرافي في جنوب لبنان.

 

مزارعون في جنوب لبنان (أ ف ب).

 

الزراعة: مصدر دخل رئيسي

اقتصادياً، يرتكز جنوب لبنان أساساً على القطاع الزراعي الذي يشكل مصدر دخل رئيسياً لعدد كبير من العائلات، وتنتشر فيه زراعة الزيتون والتبغ والزعتر والسماق. وقد شهدت المنطقة تحولات اقتصادية كبيرة بعد إغلاق الحدود مع فلسطين عام 1948، ما انعكس على الحركة التجارية والأسواق الحدودية التي كانت ناشطة آنذاك.

 

كما تأثر الاقتصاد الجنوبي بالحروب المتعاقبة، ولا سيما القطاع الزراعي الذي يعد من أبرز ركائز المنطقة. ورغم وجود عدد من المصانع المرتبطة بالصناعات الغذائية وبعض الأنشطة الإنتاجية الأخرى، لا تزال حصة الجنوب من النشاط الصناعي والاستثمارات محدودة نسبياً.

 

إلى جانب الزراعة، يتمتع الجنوب بمقومات سياحية وطبيعية مهمة، إذ تضم مدنه الساحلية ومواقعه الأثرية، ولا سيما في صور وصيدا، وجهات تستقطب الزوار من مختلف المناطق، ما يجعل السياحة أحد القطاعات الواعدة في المنطقة.

 

غارة إسرائيلية على القليلة جنوبي لبنان (أ ف ب).

 

حروب مستمرة... ومطامع

هذه الأهمية التي يحملها جنوب لبنان، بحكم موقعه الجغرافي المحاذي لإسرائيل، جعلته على مدى عقود ساحةً للصراع مع الدولة العبرية. فمنذ قيام إسرائيل عام 1948، تعرض الجنوب لاعتداءات متكررة واجتياحات عسكرية بلغت ذروتها في أعوام 1978 و1982، قبل أن ينسحب الجيش الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000، باستثناء مزارع شبعا.

 

وعاد الجنوب إلى واجهة المواجهة خلال حرب تموز 2006 التي خلّفت دماراً واسعاً في القرى والبلدات الحدودية. كما شهد منذ تشرين الأول 2023 حرباً واسعة امتدت لأشهر، وتسببت بخسائر بشرية ومادية كبيرة ونزوح عشرات الآلاف من السكان.

 

ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، استمرت الاعتداءات الإسرائيلية على مناطق عدة في الجنوب خلال عامي 2025 و2026، بالتزامن مع إبقاء الجيش الإسرائيلي وجوده في عدد من النقاط الحدودية واستحداث ما بات يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهي منطقة محاذية للحدود يحظر الاقتراب منها أو الدخول إليها بسبب المخاطر الأمنية والتهديدات المستمرة.

 

ولا تقتصر أهمية جنوب لبنان على موقعه الحدودي فحسب، بل تمتد إلى ثروته المائية الكبيرة التي جعلته موضع اهتمام إسرائيلي منذ عقود أيضاً. فقد برزت على مر السنين تصريحات ومشاريع إسرائيلية تناولت الاستفادة من مياه الجنوب، ولا سيما نهر الليطاني ونهري الحاصباني والوزاني، اللذين يشكلان جزءاً أساسياً من الموارد المائية اللبنانية.

 

ويُعد نهر الليطاني أكبر الأنهار اللبنانية، ما جعل ملف المياه أحد أبرز عناصر التجاذب المرتبطة بالجنوب على امتداد الصراع اللبناني - الإسرائيلي.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية