جنبلاط في لحظة المفترق: حارس التوازنات بين نار الحرب وتعقيدات التسوية
حسين سعيد
في خضمّ الأزمات المتراكمة وتعثر الحلول، ومع تفاقم الانقسامات التي أنهكت الدولة وأرهقت المجتمع، يعود الزعيم الوطني وليد جنبلاط إلى واجهة المشهد السياسي، حاملاً معه خبرةً استثنائية راكمها على امتداد عقود في إدارة الأزمات وصياغة التسويات. ليس حضوره تفصيلاً عابراً في لحظة عادية فقط، بل ضرورة يفرضها واقع لبناني مأزوم، تتداخل فيه الانهيارات الداخلية مع عواصف الإقليم.
لبنان اليوم لا يقف على حافة أزماته البنيوية فحسب، بل يواجه حرباً مفتوحة تشنها إسرائيل، خلّفت دماراً واسعاً في البنية التحتية، ودفعت البلاد إلى مستوياتٍ غير مسبوقة من التهديد الوجودي. وفي موازاة هذا المشهد، برزت مبادرة الرئيس جوزف عون للتفاوض المباشر مع إسرائيل، بدعمٍ من الولايات المتحدة ومعظم أركان الحكومة، في مقابل رفضٍ حاد من قوى المقاومة، وعلى رأسها "حزب الله"، ما أعاد إنتاج انقسامٍ داخلي حاد بلغ حدود تبادل الاتهامات بالخيانة.
في هذا المناخ المشحون، لا يقرأ جنبلاط المبادرة بوصفها خياراً سياسياً عادياً، بل كمنعطف خطير قد يعيد فتح جروح لبنانية عميقة. وهو، بحكم تجربته، يدرك أن أي تسوية لا يمكن أن تُبنى على كسر مكوّنٍ أساسي في المعادلة الداخلية، ولا أن تُفرض في ظل انعدام التوازن. من هنا، يستحضر سوابق تاريخية حساسة، ويقارب الواقع بعينٍ تعرف تكلفة الانزلاق أكثر مما تراهن على احتمالات النجاح.
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز دور رئيس مجلس النواب نبيه بري كحجر زاويةٍ في أي مسار محتمل. فالعلاقة التي تجمعه بجنبلاط، والتي تتجاوز السياسة إلى مستوى الثقة المتبادلة، تجعل منه بوابةً إلزامية لأي تسوية يمكن أن تجد طريقها إلى بيئة المقاومة. تجاوز هذا الدور، بالنسبة إلى جنبلاط، ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل مخاطرة قد تُفشل المبادرة قبل أن تبدأ.
إلى جانب ذلك، يفرض العامل الإقليمي نفسه بقوة، إذ تلعب المملكة العربية السعودية دوراً بالغ الأهمية في رسم ملامح أي تسوية ممكنة. فغياب الغطاء العربي، وتحديداً السعودي، كفيل إبقاء أي مبادرة في دائرة الشك، مهما بلغ حجم الدعم الدولي لها. وهنا أيضاً، يتحرك جنبلاط مستفيداً من علاقاته المتينة مع الرياض، بما يمنحه قدرة إضافية على المساهمة في تقريب وجهات النظر وخلق مناخات ثقة مفقودة.
ومع ذلك، يبقى الإدراك الأعمق أن مصير هذه المبادرة لا يتحدد فقط في بيروت، بل يرتبط عضوياً بمسار العلاقة بين إيران وواشنطن. فالتجربة اللبنانية أثبتت أن الملفات الكبرى، ولاسيما منها ما يتصل بالصراع مع إسرائيل، لا تجد طريقها إلى الحل في غياب تفاهم، ولو جزئي، بين هاتين القوتين. وعليه، فإن أي اندفاعة داخلية تبقى محكومةً بسقف التوازنات الإقليمية، وبمدى نضوج لحظة التسوية.
في هذا التوقيت البالغ الحساسية، لا يتحرك جنبلاط كوسيطٍ تقليدي، بل كحارس توازنات يدرك أن أي انزلاقٍ داخلي قد يكون مدمّراً بقدر الحرب نفسها. يستثمر رصيده من العلاقات مع مختلف أركان السلطة، ويستند إلى هالته السياسية وإلى إدراك خصومه قبل حلفائه عمق قراءته لتلابيب النظام اللبناني، ليؤدي دور "المُبرّد" للاشتباك السياسي. هدفه ليس فرض تسوية بقدر ما هو شراء الوقت، ومنع الانفجار الداخلي، إلى حين تبلور الحد الأدنى من التفاهمات بين واشنطن وطهران، باعتبار أن أي حلّ لبناني في هذه المرحلة يبقى أسير الإيقاع الإقليمي.
بين نار الحرب وتعقيدات التسوية، يتحرّك وليد جنبلاط كآخر خطوط الدفاع عن الداخل، واضعاً خبرته في خدمة منع الانهيار لا صناعة الأوهام. فإمّا أن ينجح في تثبيت الاستقرار حتى تنضج تفاهمات الولايات المتحدة وإيران… وغما أن يدخل لبنان مرحلةً لا تشبه إلا حروب الفوضى المفتوحة.
