جمهورية الكبتاغون: هل يوقع البرلمان صك الانتحار؟
المحامي رفيق اورى وليد غريزي
على رصيف الوطن المنهك، لا يمكن أن نلوذ بالصمت بينما تُصاغ خلف الكواليس صكوك براءة لملوك السموم، تحت مسمى "العفو العام". منذ أن كانت الكلمة لتكون مرآة للناس، تعلمنا أن نقرأ بؤس البقاع المحروم، لا لكي نبرر الجريمة، بل لكي نبحث كيف تتحول "الأطراف" المنطوية على وجعها إلى إمارات معزولة خارجة على القانون. واليوم، وفي زمن التباري على طمس الحقائق، تكاد الدولة المترهلة تمنح كارتيلات المخدرات "براءة ذمة" تشريعية، متناسية أن العدالة لا تُقايَض في سوق الصفقات السياسية، وأن دماء عسكريينا الذين سقطوا في جرود بعلبك والشراونة لا تجوز التضحية بها لإرضاء نفوذ عشائري أو تأمين ريع انتخابي، وسط انقسامات حادة طبعت نقاشات اللجان النيابية المشتركة.
إن قرار إرجاء الجلسة التشريعية العامة التي كانت مخصصة لإقرار هذا القانون المثيل للجدل، لا يعكس صحوة ضمير سياسية بقدر ما يمثل تراجعاً مؤقتاً فرضته الخشية من الانفجار الشعبي والقانوني؛ فالصفقة لم تسقط، بل أُرجئت بانتظار تسويات الغرف المغلقة.
لم تكن الحشيشة في البقاع مجرد نبتة شقّت طريقها في تربة عيناتا والهرمل في العام 1927؛ بل كانت صرخة الأرض المتروكة لقدرها بلا إنماء، وبلا مدرسة، وبلا مستشفى. وحين انهار الهيكل اللبناني في الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990، تحول البقاع الشمالي إلى مستودع لتغذية المليشيات المتناحرة بـ "بترول لبنان" الأخضر، حيث خرجت قوافل الأفيون والهيروين من المرافئ غير الشرعية برعاية أمراء الحرب المستقوين بالسلاح. وفي التسعينيات، وتحت العصا الأمريكية، أُعلنت الحرب الصورية على الزراعة عام 1992، لكن الذي جرى كان أقرب إلى تفاهم ضمني، حيث حُرقت الحقول أمام عدسات الكاميرات ونمت شبكات التهريب الكبرى تحت عباءة ضباط أجهزة الأمن والوصاية السورية. وما بعد الأزمة السورية عام 2011، سقطت الحدود القانونية، وارتفعت مصانع حبوب الكبتاغون المربحة كالفطر في جرود بريتال ومحيط الطفيل، لتتحول التجارة من زراعة تقليدية للمستضعفين إلى صناعة مافيوية عابرة للقارات تحميها قوى أمر واقع مسلحة.
ولم تعد هذه المافيات تكتفي بالاختباء خلف الجرود، بل طوّرت ذراعاً لوجستياً حول المرافئ الشرعية للدولة اللبنانية إلى بؤر تهريب عابرة للحدود. هكذا شهدنا "ابتكارات" الجريمة المنظمة وهي تخبئ ملايين الحبوب المخدرة في شحنات الفاكهة والليمون البلاستيكي، وداخل فجوات الآلات الصناعية والمعدات الإنشائية المصدرة عبر مرفأ بيروت لتستهدف أسواق الخليج العربي والدول العربية. ولم يسلم مطار رفيق الحريري الدولي من هذه الشباك، إذ سُجلت فيه عمليات تهريب ضخمة نُقلت عبر طائرات خاصة برعاية شخصيات نافذة، حيث حُشيت مئات الكيلوغرامات من حبوب الكبتاغون في أعمدة الطاولات الخشبية وصناديق الشحن، مستغلةً غياب الرقابة الصارمة والتواطؤ الأمني قبل تركيب أجهزة "السكانر" الحديثة. هذا الاختراق الممنهج لبوابات لبنان البحرية والجوية حوّل البلاد من مجرد ساحة إنتاج محلي إلى نقطة انطلاق ملوثة لشبكات الجريمة الدولية.
واليوم، لا تجامل الوقائع والأرقام صانعي القوانين؛ إذ يقبع خلف القضبان نحو 4500 سجين في قضايا المخدرات، يشكلون الـكتلة الأكبر بنسبة تناهز 35% من نزلاء السجون المكتظة بالاختناق الإنساني. وخارج السجون، تغص سجلات النيابات العامة بأكثر من 30,000 إلى 40,000 مذكرة توقيف وبلاغ بحث وتحرّ غير منفذة، غالبيتها الساحقة لعناصر وشبكات في البقاع وضواحي بيروت.
أما خريطة "الرؤوس الكبيرة" التي اعتقدت يوماً أنها أقوى من مؤسسات الدولة، فقد شهدت تصدعات كبرى بفضل ضربات مخابرات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وفي سياق الملاحقات، تهاوت قلاع "بارونات" المخدرات؛ حيث انتهت أسطورة فرار نوح زعيتر، المطلوب بمئات الجرائم والخاضع لعقوبات دولية، حين أوقفته مخابرات الجيش بكمين محكم دون إطلاق رصاصة واحدة في بلدة الكنيسة البقاعية. وفي مواجهة مسلحة عنيفة في حي الشراونة ببعلبك، قُتل علي منذر زعيتر، المعروف بـ "أبو سلة" لإدارته شبكات الترويج المسلحة وتوزيعه السموم عبر سلات من شرفته في الفنار، وسقط معه مساعده العسكري الميداني عباس زعيتر الملقب بـ "السلطان" وفياض زعيتر. وفي المقابل، أثمرت العمليات الأمنية لقوى الأمن في بلدة بريتال عن توقيف حسن صادق وهبة، أحد كبار حيتان التجارة والتمويل والمطلوب بمئات المذكرات، بينما لا تزال شبكات واسعة من المروجين وعصابات الضواحي يلوذون بالفرار في المناطق الحدودية اللبنانية السورية.
تستغل كارتيلات المخدرات اليوم ثغرات كثيرة للضغط نحو العفو العام؛ فهم يعزفون على وتر "الحرمان المزمن" ويستغلون ملف "اكتظاظ السجون" لتسريب بنود فضفاضة تعفي التاجر والمروج تحت عباءة المصالحة الوطنية. ويضغط نواب المزارع الانتخابية لتبييض سجلات عشرات الآلاف بهدف استعادة قواعدهم الشعبية، متجاهلين الكارثة. ومن موقع انحيازنا الدائم لقضايا الناس ومستقبل أبنائهم، نرى في منح العفو عن هؤلاء خطيئة قومية وأخلاقية لا تغتفر؛ فهؤلاء الملوك لم يكتفوا ببيع السموم بل قادوا شبكات مسلحة خطفت وقتلت عسكريين وضباطاً من الجيش وقوى الأمن، والعفو عنهم هو تشريع لقتل حماة الوطن وطعنة للمؤسسة العسكرية. كما أن إعفاء مصنعي ومهربي الكبتاغون سيثبّت تصنيف لبنان كدولة فاشلة ترعى الجريمة المنظمة وتبييض الأموال، مما يقطع ما تبقى من حبال سرية مع المجتمعين العربي والدولى. وفوق هذا كله، يتسبب انتشار هذه السموم الكيميائية يومياً بتفجير الأمن المجتمعي، وتفشي جرائم القتل والسرقة، وتفتيت آلاف العائلات والطلاب في الضواحي والمدن.
إن التمييز هنا واجب، وهو الفارق بين العدالة والتشفي؛ فالسياق الإنساني والقانوني يفرض عفواً مدروساً ينتشل "المتعاطي المدمن" باعتباره ضحية ومريضاً يحتاج المصحة لا السجن، أو يخفف الأحكام عن صغار المزارعين الذين أكل الحرمان عقولهم وضاقت بهم سبل العيش في غياب خطط التنمية البديلة، وهو الأمر الذي يوجب البحث جديّاً عن خطط بديلة ومستدامة عوضاً عن طروحات العفو العشوائية السياسية.
أما كبار التجار والمهربين والمصنعين، والذين تحصنوا بالأسلحة المتوسطة والقذائف الصاروخية لضرب هيبة الدولة، فلا يجوز أن يمر عفوهم كصفقة ليلية مرجأة تنتظر إعادة إدراجها في أي جلسة برلمانية مقبلة. إن إسقاط الأحكام عن ملوك الكبتاغون ليس عفواً، بل هو انتحار جماعي لجمهورية تبحث عما تبقى من قانون.