جلد سيدة في سبها... واقعة تحيي ذاكرة "داعش"
أثارت واقعة جلد سيدة علناً في مدينة سبها، جنوب ليبيا، صدمة مجتمعية واسعة، بعدما تحوّل مقطع مصوّر يوثّق تنفيذ العقوبة على قارعة الطريق إلى قضية رأي عام، وسط انتقادات حقوقية وقانونية لطريقة التنفيذ وتصويرها ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأعاد المشهد إلى الذاكرة الليبية صوراً ارتبطت بفترات سيطرة التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمها تنظيم "داعش"، الذي اعتمد توثيق العقوبات ونشرها وسيلةً لبث الخوف وإظهار النفوذ. كما فتح نقاشاً أوسع بشأن انضباط المؤسسات الأمنية، ومدى فاعلية الرقابة على عناصرها، ومخاطر تأثر بعض المنتسبين إليها بأفكار متطرفة.
ويُظهر المقطع المتداول أحد عناصر الشرطة القضائية وهو ينفذ عقوبة الجلد بحق سيدة في سبها، الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، تنفيذاً لحكم صادر عن إحدى دوائر الجنايات في قضية زنا.
وسرعان ما تجاوز الجدل مضمون الحكم إلى الكيفية التي نُفذت بها العقوبة، بعدما جرى التنفيذ في مكان عام وتصويره وتداوله على نطاق واسع. وأثار ذلك تساؤلات بشأن احترام الإجراءات القانونية وكرامة المحكوم عليهم، في بلد لا يزال يعاني تعدد مراكز النفوذ وضعف الرقابة داخل بعض المؤسسات الأمنية والقضائية.
تشريع قديم وضوابط للتنفيذ
ويوضح أستاذ القانون الدكتور راقي المسماري لـ"النهار" أن التشريعات الليبية تتضمن، إلى جانب قانون العقوبات، نصاً خاصاً صدر عام 1973، ينص على تطبيق عقوبة الجلد على المحكوم عليهم في قضايا الزنا بعد صدور حكم قضائي نهائي.
وبحسب المسماري، تركز الجدل على تصوير الواقعة ونشرها وما انطوى عليه ذلك من تشهير، أكثر من تركّزه على أصل الحكم. ويتوقع "توقيع عقوبات تأديبية بحق عناصر الشرطة الذين ظهروا في المقطع المتداول"، مستبعداً في الوقت نفسه إجراء تعديلات تشريعية تلغي العقوبة، باعتبارها "من الحدود المنصوص عليها في الشريعة الإسلامية".
ويرى مراقبون أن الواقعة تعكس خللاً يتجاوز التصرف الفردي، ويجمع بين ضعف الانضباط المؤسسي والتجاوزات الإجرائية واحتمال تأثر بعض العناصر بأفكار راديكالية. كما أعادت إلى الواجهة مطالبات حقوقية بمراجعة التشريعات التي تتيح تطبيق هذه العقوبات، في ظل توقف معظم الدول العربية والإسلامية عن تنفيذها.
وأكد المجلس الأعلى للقضاء أن الأحكام القضائية النهائية "واجبة التنفيذ متى استوفت شروطها القانونية"، مشدداً على ضرورة تنفيذها "بما يحفظ كرامة الإنسان ويصون هيبة القضاء".
وأوضح المجلس أن تصوير تنفيذ الأحكام ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي "لا يدخل ضمن مقتضيات التنفيذ أو مقاصد الشريعة الإسلامية"، معلناً فتح تحقيق للوقوف على ملابسات الواقعة ومحاسبة المسؤولين عنها.
تحقيقات ومطالبات بالمحاسبة
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، أعلن جهاز الشرطة القضائية إيقاف المسؤولين المباشرين عن الواقعة احتياطياً وإحالتهم إلى التحقيق، إلى جانب تشكيل لجنة عليا لمراجعة ملابسات الحادثة وآليات تنفيذ الأحكام داخل المؤسسات التابعة له، بهدف
تعزيز الانضباط ومنع تكرار مثل هذه الممارسات.
غير أن رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أحمد حمزة يربط صدقية هذه الإجراءات بنتائج التحقيقات ومدى محاسبة المسؤولين عن المخالفات.
ويوضح حمزة لـ"النهار" أن "قانون إقامة حد الزنا لا يجيز تصوير تنفيذ العقوبة أو نشره، وينص على تنفيذها داخل مركز الشرطة، بحضور وكيل النيابة والطبيب المختص، وبعد اكتساب الحكم الدرجة النهائية". ويدعو إلى "محاسبة كل من خالف هذه الضوابط"، معتبراً أن أي إجراءات إدارية أو تحقيقات داخلية "ستفقد قيمتها في حال عدم اقترانها بمساءلة فعلية".
أما رئيسة المنظمة الليبية لحقوق الإنسان حنان الشريف، فتضع الواقعة في إطار أوسع يتعلق بحقوق الإنسان وكرامة المرأة، مؤكدة لـ"النهار" أن تنفيذ العقوبات "لا يجوز أن يتحول إلى مادة للاستعراض أو التشهير".
وترى الشريف أن تصوير العقوبة ونشرها "يمثلان انتهاكاً لحقوق الإنسان وإساءة إلى هيبة القضاء وسيادة القانون"، محذرة من "استباحة أعراض النساء وإثارة الرأي العام عبر الشائعات والمقاطع المصورة".
وتساءلت عن وصول كرامة الإنسان إلى حد تحويلها مادة للتشهير، في وقت "تتراجع فيه أولويات مكافحة الفساد وترسيخ العدالة وبناء مؤسسات الدولة"، داعية إلى محاسبة كل من يثبت تجاوزه للقانون.
نقاش يتجاوز الواقعة
وقد تدفع حادثة سبها، بحسب الشريف، إلى إعادة فتح النقاش التشريعي بشأن مدى توافق بعض العقوبات وآليات تنفيذها مع مبادئ الكرامة الإنسانية وضمانات المحاكمة العادلة والتزامات ليبيا الدستورية والدولية.
وتكشف القضية عن أزمة أعمق تواجهها الدولة الليبية في فرض الانضباط داخل مؤسساتها الأمنية والقضائية، وضمان تنفيذ الأحكام ضمن الأطر القانونية، ومنع تحول التجاوزات الفردية إلى ممارسات تُضعف هيبة الدولة أو توحي بتغلغل أنماط تفكير متطرفة داخل أجهزتها.
كما تضع التحقيقات المعلنة المؤسسات المعنية أمام اختبار حقيقي، إذ تتوقف قدرتها على احتواء الغضب الشعبي واستعادة الثقة على إعلان نتائج واضحة، ومحاسبة المسؤولين، ووضع ضوابط تمنع تصوير المحكوم عليهم أو التشهير بهم تحت أي ذريعة.