جلد الموتى لمقاومة الشيخوخة .. علاج تجميلي جديد يثير الجدل الأخلاقي
تواصل كوريا الجنوبية ترسيخ مكانتها بوصفها إحدى أبرز عواصم صناعة التجميل في العالم، لكن أحدث صيحاتها العلاجية تجاوزت مستحضرات العناية بالبشرة والحقن التقليدية إلى استخدام مادة مستخلصة من جلد بشري متبرع به، في إجراء تجميلي يلقى إقبالاً متزايداً داخل العيادات المتخصصة، ويثير في الوقت نفسه نقاشاً أخلاقياً وتنظيمياً حول حدود استخدام الأنسجة البشرية في أغراض التجميل، وإمكان تأثير ذلك في توافرها للاستخدامات الطبية الأكثر إلحاحاً، مثل علاج الحروق وإعادة ترميم الأنسجة بعد العمليات الجراحية.
وتروي وكالة “بلومبرغ” تفاصيل قصة بدأت داخل عيادات حي غانغنام الراقي في العاصمة سيول، حيث بات علاج يعرف باسم Re2O من أكثر الإجراءات المطلوبة بين الراغبين في الحفاظ على مظهر شاب، إذ يعتمد على حقن مادة مستخلصة من الجلد البشري المعالج في الوجه والرقبة، لتشكيل ما يشبه الهيكل الداعم الذي يساعد الجلد على استعادة تماسكه ومرونته، ويمنح نتائج فورية في تقليل التجاعيد الدقيقة وتحسين نسيج البشرة، ويبلغ سعر الجلسة الواحدة ما بين 600 ألف و800 ألف وون كوري، أي ما يعادل نحو 400 إلى 530 دولاراً، وهو ضعف تكلفة معظم العلاجات الجلدية الشائعة تقريباً.
وتروي سارة يون، وهي مؤثرة أمريكية تعيش في سيول منذ عام 2023، أن طبيبها أخبرها بأن العلاج الجديد “مصنوع من أشخاص متوفين”، وهو وصف بدا لها في البداية أقرب إلى الخيال العلمي، لكنها سرعان ما تخلت عن ترددها وخضعت للعلاج، مؤكدة أن ثقتها الكبيرة بالأطباء في كوريا الجنوبية دفعتها إلى تجربة التقنية الجديدة، شأنها شأن أعداد متزايدة من المرضى الذين يصطفون للحصول على مواعيد في العيادات، حتى إن بعض المراكز أصبحت تفرض فترات انتظار تمتد إلى شهر كامل بسبب ارتفاع الطلب.
ويختلف هذا العلاج عن الحقن الجلدية التقليدية، مثل المنتجات المعتمدة على الحمض النووي المستخرج من سمك السلمون أو الكولاجين الحيواني، التي تحفز الجلد على إنتاج الكولاجين بصورة طبيعية، إذ يعتمد Re2O على حقن ستة مليلترات من المصفوفة خارج الخلوية، وهي شبكة بروتينية تستخرج من جلد بشري متبرع به بعد إزالة جميع الخلايا منه، بما يقلل احتمالات رفض الجسم لها أو حدوث تفاعلات مناعية، وتعمل هذه المادة كإطار داعم يسمح لخلايا المريض بالنمو داخله وإعادة بناء الأنسجة المتضررة، بدلاً من مجرد تحفيزها على إنتاج الكولاجين.
ويؤكد أطباء الجلدية الذين يستخدمون العلاج أن الفارق الجوهري يكمن في طريقة عمله، فمع التقدم في العمر تتعرض المصفوفة خارج الخلوية، التي تمنح الجلد قوته ومرونته، إلى التدهور التدريجي، وهو ما يؤدي إلى ترهل البشرة وضعف الأوعية الدموية الدقيقة، لذلك فإن إعادة بناء هذه البنية الأساسية قد تحقق نتائج أكثر وضوحاً لدى الأشخاص الأكبر سناً أو الذين فقدوا كميات كبيرة من الوزن، خصوصاً بعد استخدام أدوية علاج السمنة، وهي الحالة التي أصبحت تعرف طبياً باسم “وجه أوزمبيك”، نتيجة فقدان امتلاء الوجه بصورة سريعة.
وتستورد الشركة المصنعة، وهي L&C Bio الكورية، الجلد المستخدم في العلاج من بنوك أنسجة أمريكية معتمدة من الجمعية الأمريكية لتطوير الأنسجة والمنتجات البيولوجية، التي تضع معايير خاصة لجمع الأنسجة البشرية والتأكد من سلامتها والحصول على موافقات المتبرعين أو عائلاتهم، كما تنتج شركات كورية أخرى علاجات مشابهة تعتمد على أنسجة بشرية موثقة المصدر، في وقت تضاعفت فيه القيمة السوقية لشركة L&C Bio خلال العام الماضي مع الارتفاع الكبير في الطلب على منتجها الرئيس.
وتشير بيانات الشركة إلى أنها تنتج حالياً نحو ثمانين ألف عبوة شهرياً، وتسعى إلى رفع الإنتاج إلى 150 ألف عبوة خلال النصف الثاني من العام، ثم إلى 300 ألف عبوة خلال السنوات المقبلة، كما بدأت بالفعل تصدير المنتج إلى اليابان وسنغافورة، وتخطط للتوسع في أسواق أستراليا وهونغ كونغ وماليزيا وتايلاند وروسيا، على أن تدخل السوق الأمريكية العام المقبل، مستفيدة من الانتشار العالمي المتواصل لمنتجات التجميل الكورية التي أصبحت تشكل أحد أبرز صادرات البلاد في قطاع الصناعات الصحية والتجميلية.
ويأتي هذا التوسع بالتزامن مع توقعات تشير إلى تضاعف حجم سوق مكافحة الشيخوخة عالمياً ليصل إلى نحو 150 مليار دولار بحلول عام 2035، مدفوعاً بارتفاع متوسط الأعمار، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وزيادة الإنفاق على الإجراءات التجميلية، خاصة في آسيا، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن واحداً من كل أربعة أشخاص في المنطقة سيكون فوق سن الستين بحلول عام 2050، وهو ما يجعل الطلب على علاجات إبطاء الشيخوخة مرشحاً لمزيد من النمو خلال العقود المقبلة.
وفي المقابل، أثار انتشار العلاج نقاشاً واسعاً داخل كوريا الجنوبية، إذ حذر عدد من النواب وخبراء القانون من أن استخدام الجلد البشري في الإجراءات التجميلية قد يؤدي إلى تحويل جزء من الأنسجة المتبرع بها بعيداً عن الاستخدامات الطبية التقليدية، مثل علاج الحروق وإعادة بناء الثدي بعد استئصال الأورام أو ترميم الإصابات الخطيرة، كما دعوا إلى تشديد الرقابة التنظيمية وإخضاع هذه المنتجات لإجراءات تقييم أكثر صرامة، على غرار الأنظمة المعمول بها في الولايات المتحدة وأوروبا، بينما بدأت هيئة الغذاء والدواء الكورية مراجعة الإطار التنظيمي الحالي.
ويرى مختصون في القانون الصحي أن بعض هذه المنتجات يستخدم قبل استكمال التجارب السريرية الكافية أو إنشاء أنظمة متابعة دقيقة لرصد سلامتها على المدى الطويل، مطالبين بحظر استخدام الأنسجة البشرية في الإجراءات التجميلية أو إعادة تصنيفها بوصفها أدوية تتطلب موافقات أكثر تشدداً، في حين ترفض الشركات المنتجة هذه الانتقادات، مؤكدة أن جميع الأنسجة المستخدمة يجري الحصول عليها بعد موافقة المتبرعين أو ذويهم، وأن استمارات التبرع تنص صراحة على إمكان استخدامها في أغراض تجميلية إلى جانب التطبيقات الطبية الأخرى.
كما تؤكد الجمعية الأمريكية لتطوير الأنسجة والمنتجات البيولوجية أنها لم ترصد حتى الآن أي دليل على أن الاستخدامات التجميلية أثرت في توافر الأنسجة اللازمة للعلاجات الطبية، مشيرة إلى أن عمليات التبرع تتم وفق معايير واضحة، وأن العائلات تبلغ مسبقاً بجميع الاستخدامات المحتملة للأنسجة، بما في ذلك العلاج والبحث العلمي والتعليم والتطبيقات التجميلية، مع منحها حق طرح الأسئلة قبل استكمال إجراءات التبرع.
ومن جانب آخر، يحذر بعض أطباء الجلدية من انتشار منتجات مشابهة تستخدم أنسجة بشرية مجهولة المصدر أو غير معتمدة، معتبرين أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التقنية نفسها، وإنما في دخول شركات غير مرخصة إلى السوق مع اتساع الطلب، وهو ما قد يفتح الباب أمام منتجات يصعب التحقق من مصدرها أو من إجراءات فحصها وتعقيمها، ولذلك يدعو المختصون إلى تشديد الرقابة على سلسلة التوريد بأكملها، وليس فقط على المنتج النهائي.
ويخلص تقرير «بلومبرغ» إلى أن العلاج الجديد يعكس التحول المتسارع في صناعة التجميل الكورية، التي باتت تعتمد بصورة متزايدة على تقنيات الطب التجديدي، في وقت يتداخل فيه الابتكار العلمي مع الاعتبارات الأخلاقية والتنظيمية، فبينما يرى مؤيدو هذه التقنية أنها توسع الفائدة الطبية للتبرع بالأنسجة وتوفر حلولاً أكثر فعالية لمقاومة آثار الشيخوخة، يخشى منتقدوها من أن يؤدي النجاح التجاري المتزايد إلى تحويل الأنسجة البشرية إلى سلعة تجميلية، وهو نقاش يبدو مرشحاً للتوسع مع استمرار تطور الطب التجميلي وتزايد الطلب العالمي على علاجات تمنح مظهراً أكثر شباباً بوسائل أقل تدخلاً جراحياً.
The post جلد الموتى لمقاومة الشيخوخة .. علاج تجميلي جديد يثير الجدل الأخلاقي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.