جغرافيا المعرفة وسؤال الكاميرالية المستترة في المغرب الكبير
لطالما استوقفتني في كتابات الأستاذ عبد الله ساعف تلك المسحة “الرومانسية” النافية للكاميرالية ( الخدوم )عن بدايات علم السياسة بالمغرب، حيث يصر على وصم الحقل بنَفَس المعارضة وأيديولوجيا الحاضر. لكن، وأنا أتأمل هذا الطرح، شعرت بوجود فجوة؛ ثمة جدار سميك يعزل كليات الحقوق المغربية عن محيطها الدولي. كيف يمكننا قبول هذا النفي والمغرب ككل كان في تلك اللحظة بالذات يقع في عين العاصفة الجيوسياسية للحرب الباردة؟
من هذا المنظور، يبدو لي أن رأي ذ.ساعف يظل سجين أسوار الجامعة؛ إذ يحصر نظره في المنتج الأكاديمي المحلي المكتوب بالفرنسية والعربية داخل أسوار كليات الحقوق المغربية، مغفلاً “المصفوفة الأم” (Matrix) الابستمولوجية والجيوسياسية التي هندست إنتاج المعرفة السياسية والسوسيولوجية حول المغرب الكبير ككل إبان الحرب الباردة. إن نفي الكاميرالية عن الحقل يزول بمجرد إخضاع الأدبيات الأنغلو-سكسونية لـ “سوسيولوجيا جيو-معرفية” تكشف كيف وُظِّف العلم لخدمة الإمبراطورية الصاعدة (الولايات المتحدة الأمريكية) لملء الفراغ المعرفي الفرنسي. وبذلك، أرى أن ذ. ساعف انطلق من معطى صحيح محلياً، لكنه أغفل السياق الدولي الشامل.
السياق الجيوسياسي: الحرب الباردة وملء الفراغ المعرفي الفرنسي
عقب استقلال دول المغرب الكبير (تونس والمغرب 1956، والجزائر 1962)واجهت الإدارة الأمريكية مأزقًا استراتيجيًا تمثل في “الأمية المعرفية” بهذه المنطقة الحيوية التي كانت أقرب إلى “جزيرة فرنكوفونية” مغلقة. في مناخ الحرب الباردة، كان الهاجس الأكبر لواشنطن هو منع أي اختراق سوفياتي أو تغلغل للفكر الشيوعي في شمال إفريقيا مستغلاً فتوة الأنظمة الناشئة.
وبينما كان علم السياسة الفرنسي يمر بأزمة بنيوية وينكفئ على مقاربات قانونية دستورية جافة وعاجزة عن تفسير التحولات العميقة، تحركت الآلة الأكاديمية الاستراتيجية الأمريكية لملء هذا الفراغ عبر ما عُرف بـ “دراسات المناطق” (Area Studies)، لم يكن الهدف ترفًا فكريًا، بل إنتاج “معرفة إجرائية قابلة للتطبيق” تُمكن صانع القرار في واشنطن من فهم بنية الهيمنة المحلية وضمان استقرار الأنظمة الحليفة (وعلى رأسها النظام الملكي المغربي).
خريطة توزيع الأدوار الأكاديمية الأمريكية في المغرب الكبير
حين نتأمل حركة الباحثين الأمريكيين، نجد أنها لم تكن اعتباطية، بل بدت محكومة بتوزيع غير معلن للمهام والمقاربات حسب طبيعة كل بلد؛ إذ إن تفكيك البنية السياسية للمغرب الأقصى لا يمكن أن يستقيم إبستمولوجياً إلا عبر وضعه في إطاره الإقليمي (المغرب الكبير) باعتباره وحدة تحليل جيوسياسية متكاملة في استراتيجية الإمبراطورية الصاعدة :
لقد أُعتبر المغرب الأقصى مختبرا ل”الأنثروبولوجيا السياسية” و”الزبونية”بسبب طبيعة النظام الملكي التقليدي العريق وبنيته القبلية والدينية، أرسلت الجامعات الأمريكية النخبة الأكثر ميدانية؛ إذ ركز جون واتربوري (John Waterbury) على تشريح النخبة السياسية وآليات البقاء عبر مفهوم “الزبونية القبائلية المتنافسة” من خلال توظيفه للانقسامية، بينما اشتغل كليفورد جيرتز (Clifford Geertz) ولورانس روزن (Lawrence Rosen) في منطقة “صفرو” لتفكيك الإسلام المحلي وبنية السوق والمجتمع القَبَلي باعتباره مغرباً مصغراً، حيث تم التركيز على كيفية صياغة الهوية الاجتماعية والعلاقات من خلال مفهوم “التفاوض المستمر“، بموازاة أبحاث البريطاني إرنست غيلنر (Ernest Gellner) حول “صلحاء الأطلس” والتي تقاطعت وتكاملت أطروحاته مع هذه النخبة الميدانية الأمريكية. الهدف الكاميرالي هنا كان: معرفة كيف يستقر نظام تقليدي وسط الصراعات المستمرة.
كما شكلت ألجزائر مختبرا ل”التحول والتنمية النخبوية”نظرًا لطبيعة الثورة الجزائرية والنظام العسكري-الحزبي الناشئ ذي الميول الاشتراكية، وُجِّه علماء سياسة من عينة وليام زارتمن (William Zartman) وويليام كوانت (William B. Quandt) لدراسة القومية الراديكالية والنخب الثورية ومسارات التحديث والبيروقراطية لتقدير مدى قربها أو بعدها عن المعسكر السوفياتي.
أما تونس فتم التعاطي مها كمختبر “التحديث البورقيبي والحزب الواحد”)م إذ رُكِّز البحث فيها على سوسيولوجيا الحزب الحاكم (الحزب الحر الدستوري الجديد) وقدرة البورقيبية على علمنة وتحديث المجتمع كوسيلة لصد المد الراديكالي، وهو ما يظهر في أدبيات كليمنت هنري مور (Clement Henry Moore).
بنية التمويل: عصب “السياسة الأكاديمية الاستراتيجية”
إن الحذر المنهجي يفرض علينا تتبع “المال السياسي الأكاديمي”؛ فيصبح تتبع مصادر التمويل مدخلاً أساسياً لفهم المشهد. فالعمل الميداني الطويل والنزول المكثف لهؤلاء الباحثين لم يكن مجرد جهد شخصي ممول من ميزانيات جامعاتهم بصفة معزولة، بل كان مدعوماً من مؤسسات ذات أهداف استراتيجية واضحة تقف وراء ما عُرف بـ “دراسات المناطق”:
مؤسسة فورد (Ford Foundation): التي ضخت ملايين الدولارات في الستينيات والسبعينيات لدعم السياسة الخارجية الأمريكية وتحقيق “الاستقرار في العالم الثالث” تحت عقيدة “التحديث المنضبط”
مجلس بحوث العلوم الاجتماعية (SSRC) واللجنة المعنية بالسياسة المقارنة: التي كان يقودها أقطاب نظرية التحديث مثل غابرييل ألموند، والتي كان هدفها الصريح صياغة نماذج تفسيرية تضمن تحديثًا منضبطًا لا يؤدي إلى ثورات شيوعية.
المنح الفيدرالية (مثل قانون التعليم للدفاع الوطني NDEA) : الذي ربط بوضوح بين تمويل دراسة اللغات الأجنبية (كالعربية والأمازيغية) والبحوث الميدانية وبين الأمن القومي الأمريكي.
لم يكن هذا الدعم ترفاً فكرياً؛ بل كان شراكة غير معلنة بين هذه المؤسسات وبين الدولة الفيدرالية لإنتاج معرفة سوسيولوجية وأنثروبولوجية إجرائية تمكن واشنطن من فهم المجتمعات الناشئة وضمان استقرارها ضد التغلغل السوفياتي.
من المختبر الأكاديمي إلى دهاليز الإدارة الأمريكية: التماهي العضوي
إن تفنيد فرضية “البراءة الأكاديمية” التي قد تتذرع بها الأطروحة المحلية يتأكد بالملموس عند تتبع المسارات المهنية لهؤلاء الرواد خارج أسوار الجامعة. فلم يكن إنتاجهم المعرفي موجهًا فقط للاستهلاك الطلابي، بل كان تأهيلاً ذاتيًا لتبوّأ مناصب حساسة في صلب أجهزة الدولة الأمريكية ومراكز تفكيرها الاستراتيجي الرسمية، مما يعيد تأكيد الطابع الكاميرالي الصرف للحقل:
ديفيد كوانت (William B. Quandt): الذي حلل النخب الثورية في الجزائر، لم يلبث أن انتقل مباشرة إلى قلب صناعة القرار كعضو بارز في مجلس الأمن القومي الأمريكي (NSC) ومستشار لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في البيت الأبيض (خلال مرحلتي نيكسون وكارتر).
وليام زارتمن (William Zartman): الذي يُعد الأب الروحي لدراسات النخبة في شمال إفريقيا، تحول إلى مستشار دائم لـوزارة الخارجية الأمريكية، ومعهد الفكر التابع للحكومة الفيدرالية (USIP).
جون واتربوري (John Waterbury): وظف خبرته السوسيوسـياسية الميدانية الطويلة في المنطقة ليعمل مستشارًا استراتيجيًا لدى البنك الدولي والهيئات الدولية الموجهة للسياسات التنموية والاقتصادية في العالم الثالث.
وجدير بالذكر هنا أن التمييز الأكاديمي الصارم بين السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا وعلم السياسة يتلاشى في سياق “دراسات المناطق” الأمريكية؛ حيث وظفت الإمبراطورية المقاربات الأنثروبولوجية الميدانية كركائز تفسيرية لخدمة هدف سياسي وكاميرالي صرف، وهو فهم هندسة الاستقرار السلطوي وميكانيزمات السيطرة.
وحين نقرأ لجون واتربوري أو كليفورد جيرتز، لا نملك إلا أن نُعجب بهذا الذكاء الأنغلو-سكسوني الميداني الذي نزل إلى أسواق صفرو ومداشر الأطلس ليفكك المجتمع المغربي بأدوات سوسيولوجية حادة. لكن هذا الإعجاب المعرفي يصطدم لديّ بيقظة حذرة: هؤلاء لم يكونوا “سياحاً أو رحالة مَعْرِفِيين”. فحين نكتشف أن هؤلاء الباحثين خلعوا عباءة الأستاذية ليجلسوا على كراسي مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض أو في غيرها، ندرك أننا لسنا أمام مجرد “أبحاث”، بل أمام اختراق أنثروبولوجي وظيفي كان يمهد الطريق لسياسات الإمبراطورية.
الخلاصة: نحو إعادة صياغة المفهوم الكاميرالي
بناءً على ما سبق، إن نفي ذ. ساعف للطابع “الكاميرالي” عن بدايات علم السياسة بالمغرب، إن كان يصدق على الواجهة الجامعية الفرانكوفونية المحلية التي كانت تتوسل بالخطاب المعارض أو الأيديولوجي، فإنه يفشل أمام “البنية العميقة” للحقل. إن علم السياسة الذي كَتَبَ وشَرَّحَ ووصف آليات السلطة والمجتمع في المغرب الكبير خلال الستينيات والسبعينيات، وُلد في حضن “كاميرالية إمبراطورية عابرة للقارات”؛ حيث وُضعت المعرفة السياسية والأنثروبولوجية في خدمة “الأمير الإمبراطوري” (الإدارة الأمريكية) لتدبير مناطق نفوذها.
بل إن علم السياسة حول المغرب كان كاميرالياً بالوكالة أو بالارتداد؛ فهو كاميرالي أصيل تجاه “الأمير الإمبراطوري” (واشنطن)، وكاميرالي وظيفي وارتدادي تجاه “الأمير المحلي” الذي التهم خلاصاته لاحقاً للاستفادة منه.
وتتجلى هذه الكاميرالية هنا في أبهى صورها من خلال مفارقة غريبة: فالأجهزة الإدارية والأمنية المحلية التي ضاقت ذرعاً بتحليلات واتربوري العلنية واعتبرتها تدخلاً، هي نفسها التي سارعت في الكواليس -وحسب شهادته الشخصية- إلى ترجمة كتابه والتهام معطياته للاستفادة منها في ضبط التوازنات. هنا أشعر أن الكاميرالية مارست علينا خدعة كبرى؛ طُردت من باب السجال الجامعي، واستُدخلت من نوافذ صناعة القرار تدبيرياً؛ بحيث عادت المعرفة الأنغلو-سكسونية لتُوظف من طرف “الأمير المحلي” لإعادة إنتاج أدوات ضبطه وهيمنته. وعليه، فإن علم السياسة في بداياته لم يكن بعيدًا عن خدمة أجندة الدولة؛ بل كان في قلبها، شريطة توسيع مفهوم الدولة من نطاقها الوطني الضيق إلى نطاقها الإمبراطوري الأمريكي.