"جزّ العشب" مع إيران... نحو طريق مسدود؟
انطلاقاً من حاجة المرء المستمرة إلى "جزّ العشب" دوريّاً في حديقة منزله، لأنه عاجز عن التخلّص منه بشكل نهائي، وضعت إسرائيل تصوراً أمنياً مستوحى من الفكرة نفسها (Mowing The Lawn)للتعامل مع أعدائها. بحسب هذا المفهوم، تشنّ إسرائيل ضربات دورية ومحدودة، لإبقاء المنظمات المعادية لها مقيّدة عسكرياً.
بالرغم من أن هذه السياسة خُصّصت في الأساس للتعامل مع اللاعبين من غير الدول وفي طليعتهم "حماس"، يبدو أن إسرائيل تتجه إلى اعتماد هذا النهج مع إيران. للمرة الأولى، شنّت إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة غارات عنيفة على إيران، مرتين في أقل من عام. فهل سيصبح هذا النهج القاعدة الأساسية للتعامل مع طهران في الأعوام المقبلة؟
إيران... سياسة مختلفة
تواجه سياسة "جز العشب" عدداً من الانتقادات. ترى المستشارة البارزة في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" منى يعقوبيان أن إيران ليست مجرّد منظمة، بل ثاني أكبر دولة في الشرق الأوسط. وتذكّر يعقوبيان بأنّ الأكاديميَّين الإسرائيليَّين اللذين ابتكرا هذا النهج (إفرايم عنبر وإيتان شامير) قبل أكثر من عقد شدّدا على أن التعامل مع إيران يقتضي سياسة مختلفة.

لكن ما قد يحفّز الإسرائيليين على استخدام السياسة نفسها ضد "حماس" و"حزب الله"، كما ضد إيران، هو النقطة المشتركة بين هذه الأطراف: عدم إمكانية "القضاء" عليها. استُخدم مفهوم "جزّ العشب" بعد الاعتراف بصعوبة تحقيق انتصار كامل على المنظمات شبه العسكرية. بذلك، كان هذا الأسلوب "أفضل الممكن" لإسرائيل على مستوى تقييد القدرات العسكرية لأعدائها، مهما كانت طبيعتهم.
إسرائيل... نظرة غير متجانسة
الاعتراض على "جز العشب" يأتي أحياناً من الداخل الإسرائيلي نفسه. تحدث الخبير في شؤون الشرق الأوسط من "معهد دراسات الأمن القومي" داني سيترينوفيتش عن استحالة العودة إلى سياسة "جز العشب" كل 6 أشهر. "لا أعتقد أن الخطوات الحركية (kinetics) قادرة على إسقاط هذا النظام أو منعه من الحصول على القنبلة النووية". فعند النظر إلى منحنى التعلّم لدى الإيرانيين، لاحظ سيترينوفيتش أنهم "يتعلّمون مع كل احتكاك"، بالتالي، "أنتَ تستثمر في المزيد، وتحقّق الأقلّ"، كما أضاف.

المشكلة في الاعتراض على سياسة "جز العشب" هي صعوبة إيجاد البديل. الحل الديبلوماسي، بحسب الحكومة الإسرائيلية الحالية على الأقل، شبه مستحيل. أوقفَ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحرب على إيران حفاظاً على سلاسة العلاقة مع الولايات المتحدة، لا قناعة بأن وقف الحرب قادر على تحقيق خرق ديبلوماسي.
إيران و"جز العشب" والسؤال الصعب
تعتقد إسرائيل أن استخدام "جز العشب" بشكل دوريّ يوسّع الفرق العسكري مع أعدائها. بعبارة أخرى، يكفي أن يخرج هؤلاء أضعف نسبياً، بعد كل جولة قتالية، كي تحقق تل أبيب طموح الحد الأدنى لديها. لكن ثمة عائق ذكرته يعقوبيان. بعكس "حماس" و"حزب الله"، تبقى إيران قادرة على رد واسع يستهدف مضيق هرمز، لا إسرائيل وحسب، من أجل دفع العالم إلى الضغط عليها لوقف أي هجوم مستقبلي. لكن ربما يكون هجوم كهذا قصير الأجل أساساً، بحيث ينتهي حتى قبل إعلان وقف حركة المرور في المضيق.

بما أن النظرتين العالميتين بين إيران وإسرائيل متناقضتان جذرياً، من المستبعد أن يتوصل الطرفان إلى تعايش سلمي من دون أن يطرأ حدث تحويليّ كبير، وهو احتمال ضئيل. لهذا، يبقى احتمال الهجمات الدورية المستقبلية لإسرائيل على إيران أمراً محتملاً، مهما كانت تسميتها، وربما حتى فاعليتها.