جامعة برنستون: مجموعة آينشتاين الكاملة (1 من 2)
حين جامعةٌ كبرى تحتضنُ المؤَلَّفات الكاملة لِمبدعٍ في أَيِّ حقل، تزداد قيمتُها الأَكاديمية والتراثية معًا، لأَن مراجعة مؤَلَّفاته، ورقيًّا أَو إِلكترونيًّا، تجعلها مرجعًا فريدًا يؤْتى إليه من كل صوب، للاطِّلاع والبحث والتأْليف.
هذا ما سيكون، بدْءًا من أَيلول/سبتمبر المقبل، لدى جامعة برنستون الشهيرة (في مدينة برنستون - ولاية نيوجرسي الأَميركية. تأَسَّست معهدًا سنة 1746، وتحوَّلَت جامعةً سنة 1896). ذلك أَنها شهرئذٍ ستُطْلق "المجموعة الإِلكترونية الكاملة" للعالِم الشهير أَلبرت آينشتاين (1879-1955)، صاحب "نظرية النسبية" التي غيَّرَت الكثير من المفاهيم العلْمية، ونال عليها جائزة نوبل للفيزياء سنة 1921.
أَوراق ووثائق
في هذه "المجموعة الكاملة": صفحات بالأَلمانية (لغة صاحبها الأَصلية)، مع تعليقات أَكاديمية وشُروح بالإِنكليزية. يبلغ مجموعها 16جزءًا، بالأَلمانية والترجمات الإِنكليزية، بما يوازي نحو 18،000 صفحة، تضم سيرة آينشتاين ومسيرته في ثلاثينات القرن الماضي، وما كان له من تأْثير في المحيط العلْمي.
وأَعلنَت الجامعة أَنَّ تحديثًا متواصلًا سيتابع للأَوراق كي تضمَّ كلَّ جديد يصدر منه أَو عنه، وكتاباتٍ يمكن أَن توجَد لدى مراجعَ خاصةٍ أَو جامعية، ومنها مراسلاتُه التي استمرت حتى وفاته سنة 1955.
في المجموعة حتى اليوم نحو 40،000 وثيقة كان الباحثون جمَعوها في ثمانينات القرن الماضي. وفي المجموعة كذلك نحو 30 ملفًّا من كتاباته الخاصة ورسائله، كان معظمها صدَر لدى "منشورات جامعة برنستون".
بهذه الضخامة والإِرث الخطي والمطبوع، يتركَّز آينشتاين أَحد أَبرز الأَدمغة العلْمية التي طبَعت القرن العشرين. وتتميَّز شهرته في كون اكتشافاته العلْمية شكَّلَت منعطفًا في مفهوم المكان والزمان، في مفهوم النور والظل، وفي مفهوم الكون. ولذا يَعتبر الأَكاديميون والعلماء أَنَّ هذه المجموعة لدى جامعة برنستون هي أَوسع وأَضخم مرجع من نوعه في تاريخ العلْم الحديث.
الحياة كالدرَّاجة
لسبب تربوي وتثقيفي، وربما اجتماعي، تبرز عبارةٌ في رسالته إِلى ابنه إِدوارد (من زوجته الأُولى ميليفا) سنة 1930: "مسيرة الحياة كامتطاء الدراجة: عليكَ أَن تظلَّ تتقدَّم وتتحرَّك كما تُحَرِّك وتُشغِّل دوَّاسة الدراجة" (في بعض المراجع أَنه قالها لابنه سنة 1900، وهذا خطأٌ لأَنه لم يكن تزوَّج بعد في تلك السنة. وفي بعض المراجع أَنه قالها في خُطبةٍ جامعية).

ومن يوم انتشرَت هذه العبارة، نقلًا عن تلك الرسالة، باتت تظهر في الملصقات وعلى جدران المدارس، وحاليًا في صفحات المواقع الإِلكترونية.
المرجع الأَكيد نأْخذه من مقال كتبَتْهُ ماري باسفُورد (أُستاذة الفيزياء لدى جامعة مونفورت - ليسِسْتِر - إِنكلترا) ونشرَتْهُ في أَحد أَعداد المجلة التي تَصدُر عن تلك الجامعة، ذكرَت فيه أَنَّ آينشتاين كتَب سنة 1930 رسالة بالأَلمانية إِلى ابنه الثاني إِدوارد (1910-1965) وردَت فيها عبارةٌ ترجمتُها: "بين الإِنسان والدرَّاجة شَبَهٌ تام: فقَط حين تتحرَّك، تحافظ على توازُنك"، أَو بمعنى آخر: "عَيشُ الحياة كركُوب الدراجة: فقَط عندما تتحرَّك، تحافظ على توازنك". وذكرَت باسفورد أَنَّ ترجمة هذه العبارة من الأَلمانية إِلى الإِنكليزية ظهرَت في أَكثر من صيغة، معظمُها يبدأُ بعبارة "الناس كالدرَّاجات". وما يهُمُّ في المعنى، أَيًّا تكن صيغتُها، أَنَّ النصيحةَ واحدة: "عَمَليَّة" لا "عِلْمية". ذلك أَن المترجمين اعتبَروا أَنَّ القصْد من كلمة "الناس" هو "الحياة"، حتى درجَت بهذا الشكل مقولةً سائرة. وتُخَطِّئُ باسفورد من ينسبُون إِلى آينشتاين قولَه إِياها في حوار مع ابنه سنة 1900.
الاستعارة
الاستعارة في رمز الدرَّاجة تكمُن في أَنَّ راكبَها، حين يقترب في الطريق من إِشارة الضوء الأَحمر، يتَباطأُ تدريجيًّا مُترنِّـحًا، حتى إِذا تَوَقَّف كُلِّيًّا، عليه أَن يُنْزِلَ قدَمه إِلى الأَرض كي لا يَهوي عن دراجته.

والمغزى من ذلك، عمَليًّا، أَنَّ التوقُّف الكامل ليس حُكْمًا يعني الجمودَ، بل يعني برهةَ استعدادٍ، بأَقْلَمَة الجَسَد في جلسة مصحَّحَة على مقعد الدراجة، استعدادًا لِمواصلة الدَوْس فالحركة.
لذا يستخلص القرَّاء من مغزى العبارة أَنَّ التوازن يتشكَّل بالحركة المتواصلة والمصحَّحة، وليس بالجمود في المكان الواحد والشعور التشاؤُمي أَو التفكير السلبي بأَنْ لَن يتغيَّر شيء في الحياة.
الحلقة التالية: تتمة التعمُّق في معنى المثابرة