جامعة الروح القدس – الكسليك تحتفي بمئوية الدستور اللبناني: وثائق نادرة تروي رحلة لبنان من المتصرّفية إلى الجمهورية
روي أبو زيد
برعاية وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة، افتتحت جامعة الروح القدس – الكسليك معرض "مئوية الدستور اللبناني (1926-2026): مئة عام، أيّ جمهورية؟" في مكتبة الجامعة.
ولا يقتصر المعرض على استذكار تاريخ الدستور فحسب، بل يقدّم رحلة توثيقية متكاملة تمتد من نظام المتصرفية عام 1861 وصولاً إلى إقرار الدستور اللبناني عام 1926، عبر مجموعة نادرة من الوثائق والمخطوطات والصور والأرشيفات التي تُعرض للمرة الأولى أمام الجمهور.
ويستوقف الزائر في المعرض عدد من الوثائق الأساسية التي تؤرّخ مراحل تأسيس الكيان اللبناني، من بينها خريطة المتصرفية التي شكّلت الإطار السياسي والإداري الأول لجبل لبنان خلال العهد العثماني، ووثائق تعود إلى مرحلة إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، وصولاً إلى النسخ الأولية المرتبطة بصياغة الدستور اللبناني.
ويسلّط المعرض الضوء على أعمال لجنة الثلاثة عشر التي تولّت إعداد مشروع الدستور اللبناني، من خلال وثائق ومراسلات ومحاضر تكشف جانباً من النقاشات التي سبقت ولادة النص الدستوري. وتبرز بين المعروضات مسوّدة أصلية للدستور اللبناني، بما تحمله من تعديلات وملاحظات تعكس الجهود التي رافقت صياغة الوثيقة التأسيسية للجمهورية.
ويضمّ المعرض أيضاً مجموعة من الصحف اللبنانية الصادرة عام 1926 والتي واكبت إعلان الدستور وناقشت بنوده وانعكاساته على الحياة السياسية آنذاك، ما يتيح للزائر الاطلاع على كيفية تلقّي الرأي العام والنخب السياسية لهذا الحدث المفصلي في تاريخ البلاد.
ومن بين المواد المعروضة كذلك مخطوطات ورسائل ومقالات كتبها رجال دولة وسياسيون ومفكرون شاركوا في النقاشات الدستورية أو علّقوا عليها، سواء تأييداً أو نقداً، ما يقدّم صورة حيّة عن السجالات الفكرية والسياسية التي رافقت ولادة الجمهورية اللبنانية الحديثة.
ويطرح المعرض سؤالاً يتجاوز استعادة الماضي إلى التفكير بالمستقبل: "مئة عام، أيّ جمهورية؟" فبعد مرور قرن على إقرار الدستور، يعود النقاش حول الدولة اللبنانية ومؤسساتها وقدرتها على مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها البلاد، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى إعادة قراءة التجربة الدستورية واستلهام دروسها لمواجهة تحديات الحاضر.
وفي عددها الخاص حول مئوية الدستور اللبناني، استعانت "النهار" بأرشيف جامعة الكسليك، وقد جرى توظيفها ضمن مقاربة تاريخية تحليلية لإضاءة سياقات "مئوية الدستور اللبناني".
وتزامن المعرض مع ندوة فكرية شارك فيها كلّ من المؤرّخ الدكتور أنطوان حكيّم، والمؤرّخ نائل أبو شقرا، والقاضي الدكتور غالب غانم، الرئيس السابق لمجلس القضاء الأعلى، ورشيد درباس، وزير الشؤون الاجتماعية السابق، وإبراهيم شمس الدين وزير الدولة السابق، حيث ناقش المتحدثون التجربة الدستورية اللبنانية وتطوّر مفهوم الدولة والمؤسسات خلال القرن الماضي، إضافة إلى التحديات التي تواجه الجمهورية اللبنانية اليوم.
ويهدف هذا الحدث إلى ترسيخ الوعي بأهمية التراث الوثائقي اللبناني بوصفه جزءاً من الذاكرة الجماعية، وإلى تشجيع المبادرات الفردية والمؤسساتية الرامية إلى حفظ هذا الإرث عبر الوثائق والصور والمخطوطات التي توثّق مختلف محطات التاريخ اللبناني. ويشكّل مناسبةً لإعادة قراءة التجربة الدستورية اللبنانية قراءةً نقديةً في ضوء التحولات البنيوية التي شهدتها البلاد خلال القرن الماضي، واستشراف المسارات الممكنة لمستقبل الجمهورية في مئويتها الثانية، بما يعزّز فهماً أعمق لتطوّر النظام السياسي اللبناني.