"ثورة الأقراص" تشعل المنافسة الاستثمارية في سوق أدوية إنقاص الوزن

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}


لم تعد أدوية إنقاص الوزن فرعاً صغيراً من صناعة علاجات السكري، بل تحولت إلى واحد من أكبر رهانات الصناعة الدوائية العالمية. فالسمنة مرض مزمن يعيش معه أكثر من مليار إنسان، وفق منظمة الصحة العالمية، وترتبط بارتفاع مخاطر السكري وأمراض القلب وبعض السرطانات. هذه القاعدة السكانية الهائلة دفعت التوقعات إلى وضع سوق أدوية السمنة قرب 95 إلى 100 مليار دولار بحلول 2030، وإن كانت التقديرات قد انخفضت من مستويات بلغت 130 و150 ملياراً، بفعل تراجع الأسعار وصعوبة توسيع التغطية التأمينية.

 

الأقراص تغيّر معادلة الطلب

بدأ التحول الحاسم في أواخر 2025، عندما أجازت الولايات المتحدة "ويغوفي" الفموي من "نوفو نورديسك". ثم أطلقت الشركة الدواء في كانون الثاني/يناير 2026. وفي نيسان/أبريل، حصل "فاوندايو" من "إيلي ليلي" على الموافقة الأميركية، قبل أن تصبح الإمارات ثاني دولة في العالم تسجله. وكانت الإمارات كذلك أول سوق خارج الولايات المتحدة يُطرح فيها "ويغوفي" الفموي. وتمنح نسبة السمنة البالغة 22.4% بين البالغين في الإمارات هذا الإطلاق أهمية تجارية تتجاوز حجم السوق المحلية، لأنها تجعل الدولة منصة مبكرة لاختبار تبنّي المرضى والأطباء للأقراص الجديدة.

ويرى جوش جيلبرت، المحلل لدى "إي تورو"، أن المرحلة المقبلة من نمو السوق ستعتمد على توسيع الاستخدام عبر الأقراص اليومية بدلاً من الاقتصار على الحقن. فالدواء الفموي يزيل حاجز الخوف من الإبر، ويسهّل وصف العلاج في عيادات الرعاية الأولية، ويخفض تعقيدات التعبئة والشحن والتخزين المرتبطة بالأقلام والعبوات المعقمة. ويقول أطباء استطلعتهم "رويترز" إن الإقبال على الأقراص يرتبط أساساً بالراحة وانخفاض السعر وتجنّب الحقن، فيما يتوقع مسؤولون في الصناعة أن يكون أطباء الرعاية الأولية المحرك الأكبر للطلب المقبل.

ولا تعني سهولة الاستخدام ضعف الفعالية بالضرورة. فقد حقق "ويغوفي" الفموي انخفاضاً متوسطاً في الوزن بلغ 13.6% خلال نحو 15 شهراً، مقابل 2.2% للدواء الوهمي، وهي نتيجة تقترب من فعالية حقن "ويغوفي". أما مستخدمو أعلى جرعة من "فاوندايو" ففقدوا نحو 27 رطلاً في المتوسط. لكن الأقراص لا تزال، إجمالاً، أقل قوة من بعض الحقن المزدوجة أو الثلاثية، ما يجعل دورها الأساسي توسيع السوق والوصول إلى مرضى جدد، وليس استبدال جميع المنتجات القائمة.

والأقراص نفسها ليست فئة واحدة: "ويغوفي" الفموي دواء "ببتيدي"، يحتاج إلى تناوله صباحاً على معدة فارغة وبكمية محدودة من الماء، مع الانتظار 30 دقيقة قبل الطعام أو الشراب. أما "فاوندايو" فجزيء صغير يمكن تناوله من دون قيود الطعام أو الماء أو توقيت الجرعة. وهذا الفارق اقتصادي بقدر ما هو علاجي: فالجزيئات الصغيرة قابلة عادةً للتصنيع بكميات كبيرة عبر خطوط إنتاج الأقراص التقليدية، بينما يحتاج السيماغلوتايد الفموي إلى كمية أكبر من المادة الفعالة لتعويض ضعف الامتصاص. لذلك لا تعني كلمة "أقراص" تلقائياً تكلفة إنتاج زهيدة، لكنها تقلل الاعتماد على خطوط الحقن المعقمة وتفتح باباً أوسع لزيادة الكميات.

 

من اقتصاد الندرة إلى اقتصاد الحجم

في عصر الحقن، كانت المشكلة الأساسية هي القدرة على إنتاج ما يكفي من الأقلام والمواد الفعالة. أما في عصر الأقراص، فتنتقل المنافسة إلى عدد المرضى، والسعر، والالتزام بالعلاج، والتغطية التأمينية.

وقد بدأ الأثر يظهر سريعاً؛ إذ سجل "ويغوفي" الفموي مبيعات بنحو 2.26 مليار كرونة دنماركية (348 ملين دولار) في الربع الأول من 2026، وتجاوزت وصفاته الأسبوعية 200 ألف وصفة خلال نيسان/أبريل. وارتفعت مبيعات رعاية السمنة لدى "نوفو نورديسك" 22%، رغم انخفاض المبيعات الأميركية المعدلة 11% بفعل تراجع الأسعار المحققة. وفي المقابل، بلغت إيرادات "مونجارو" لدى "إيلي ليلي" 8.7 مليارات دولار في الربع نفسه، بزيادة 125%، بينما حقق "زيبباوند" نحو 4.1 مليارات دولار، بنمو يقارب 80%. 

 

أقراص لإنقاص الوزن. (فريبيك)

 

تكشف هذه الأرقام أن السوق لم يعد يتحرك فقط بفعالية الدواء، بل بقدرة الشركة على بناء منظومة توزيع وتمويل وتسويق. وقد بدأت الأقراص الأقل سعراً، التي تبدأ جرعاتها الدنيا في الولايات المتحدة عند نحو 149 دولاراً شهرياً للدفع الذاتي، في جذب مرضى من الصيدليات التي تبيع التركيبات الدوائية المركبة، بينما تبدأ أسعار بعض الحقن عند 299 دولاراً أو أكثر. ويتوقع الرئيس التنفيذي لشركة "ستركتشر ثيرابيوتكس" أن تستحوذ الأدوية الفموية على ما بين 25 و50% من سوق أدوية GLP-1 بحلول 2030، وهذا تقدير غير محسوم، لكنه يوضح حجم التحول المحتمل في توزيع الأرباح بين شركات الأدوية والصيدليات ومنصات التطبيب عن بعد وشركات التأمين.

 

منافسة أوسع وهوامش أقل

يهدد التحول الفموي هيمنة "إيلي ليلي" و"نوفو نورديسك"، لأنه يخفض بعض الحواجز الصناعية أمام المنافسين. فشركات مثل "ستركتشر ثيرابيوتكس" و"فايكينغ" و"كايليرا" تطور جزيئات فموية، فيما توسع "روش" و"فايزر" رهاناتهما في الجيل التالي من علاجات السمنة. ويجذب القطاع استثمارات واستحواذات ضخمة، بعدما أصبح امتلاك دواء قابل للإنتاج على نطاق واسع بمثابة بوابة إلى سوق دوائية بمئات الملايين من المرضى المحتملين.

في الوقت نفسه، تحافظ الحقن الأقوى على موقعها: أظهرت تجربة من المرحلة الثالثة لعقار "ريتاتروتايد" من "إيلي ليلي" فقداناً متوسطاً بلغ 28.3% من الوزن خلال 80 أسبوعاً، ووصل 45.3% من المشاركين إلى فقدان 30% أو أكثر، وهي مستويات تقترب من نتائج جراحات السمنة لدى بعض المرضى. لذلك ستتنافس الشركات عبر محفظة متدرجة: أقراص فموية للاستخدام الواسع، وحقن أسبوعية عالية الفعالية، وعلاجات شهرية أو مركبة للمرضى ذوي الحالات الأكثر شدة.

وتكشف المعركة القضائية حول إعلانات "ليلي" و"نوفو" أن المنافسة انتقلت من ضمان الإمدادات إلى تشكيل قناعة المريض والطبيب. كما انعكس ذلك على الأسهم: يدفع المستثمرون علاوة مرتفعة مقابل نمو "ليلي" وقوة خط إنتاجها، بينما تحولت "نوفو" إلى رهان على التعافي واستعادة الزخم. لكن اتساع البدائل وانخفاض الأسعار يعنيان أن نمو عدد الوصفات قد يترافق مع تقلص هوامش الربح، ما يرفع أهمية الكفاءة الصناعية، وحماية براءات الاختراع، والانتشار الجغرافي، والقدرة على التفاوض مع شركات التأمين.  

لن تنهي الأقراص عصر الحقن، بل ستقسّم السوق: أقراص فموية أقل سعراً وأسهل للاستخدام المبكر والمحافظة على الوزن، وحقن أكثر قوة للحالات الشديدة. ومن المرجح اقتصادياً أن تدفع شركات التأمين المرضى نحو العلاج الأقل كلفة أولاً، مع مطالبة المنتجين بإثبات أن أدوية السمنة تخفض مستقبلاً نفقات السكري والقلب والمفاصل، لا أن تخفض الوزن وحده.

ويبقى السعر العائق الأكبر، كما يؤكد محللو "جيه بي مورغان"، فالعلاج طويل الأجل وتغطيته لملايين الأشخاص قد تفرض أعباء كبيرة على ميزانيات التأمين والصحة العامة. كما قد تحد الأعراض الهضمية، مثل الغثيان والإسهال، من استمرار بعض المرضى. وهكذا، فإن الثورة الحقيقية ليست استبدال الإبرة بحبة فقط، بل انتقال السوق من منتج نادر مرتفع الهامش إلى علاج جماهيري واسع الحجم، أشد تنافساً وأقل سعراً، حيث ستكون الأفضلية للشركة القادرة على الجمع بين الفعالية والتصنيع الاقتصادي والتغطية التأمينية والالتزام الطويل بالعلاج.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية