ثلاثة أيام في القطار من غرب أميركا إلى شرقها… "لمحاولة اغتيال ترامب"
الرحلة ملآنة عن آخرها بالرومانسية الأميركية. قطار "أمتراك" ينطلق من لوس أنجليس ويعبر في عرض القارة من الساحل الغربي في كاليفورنيا إلى شيكاغو. لأكثر من أربعين ساعة تمر على نوافذ المقصورات صحارى وجبال وسهول ونهر الميسيسيبي. ومن شيكاغو إلى الساحل الشرقي، تفيض الرومانسية، والقطار يحرق 18 ساعة أخرى ليصل إلى عاصمة الاتحاد.
ثلاثة أيام يمضيها المسافر الأميركي الوحيد في آلة الزمن هذه، تعبر نحو خمسة آلاف كيلومتر، تسمح له باسترجاع حياته كلها، ومناقشة خياراته الخاطئة منها والمصيبة، وقراراته الكبرى التي، في حالة هذا المسافر الأميركي بالتحديد، كول توماس ألين، ابن الحادية والثلاثين، هي ببساطة اغتيال المسؤولين في الإدارة الأميركية الحاكمة في واشنطن، من رأس الهرم الإداري نزولاً، ببندقية "بولت آكشن" ومسدس وثلاث سكاكين، من الصعب نقلها في الطائرة بطبيعة الحال، لذا كان القطار هو البديل المنطقي الوحيد في هذه الخطة المستحيلة للشاب الذي كان مجهولاً تماماً قبل أن يحاول، راكضاً بسرعة خارقة، تجاوز عشرات الحراس المدججين بالسلاح للوصول إلى العشاء الرسمي لمراسلي البيت الأبيض الذي يستضيف دونالد ترامب بصفته رئيساً لأول مرة، وهو نفسه حامل لقب الرئيس الأكثر إثارة للجدل في التاريخ الحديث لأميركا.
ذئب منفرد… وسلاح دستوري
تتمة هذه الرحلة الطويلة من طرف أميركا إلى طرفها انتقلت إلى العواجل، وإلى الخبر شبه الوحيد في الإعلام الأميركي الذي استعاد من جديد نقاشه المستدام عن الشرخ الحاد في المجتمع، والعنف السياسي، وحالة الاضطراب العامة التي لا تنفك تترجم في ذئب وحيد، يحمل أفكاره وتصوراته الشخصية عن أميركا، ويملك حقاً دستورياً بحيازة سلاح، ويقرر تغيير مجرى تاريخ بلاده بيده، وبمفرده.
ومع أن ألين لم يذكر أنه جاء إلى واشنطن ليستهدف ترامب حصراً، إلا أن حضور الرئيس في الحفل كان كافياً لقطع الشك باليقين، عند ترامب وإدارته على الأقل، بأن هذه كانت نية الشاب، الذي كتب في رسالته أنه لم يعد مستعداً "للسماح لبيدوفيل ومغتصب وخائن بتلطيخ يديَّ بجرائمه". هكذا، حضرت الروح الملعونة لجيفري إبستين وملفاته في محاولة الاغتيال من دون أن يذكره المشتبه به بالاسم. وبعد تخصيص ترامب ثلاث محاولات اغتيال سابقة، منها واحدة حفت برأسه حرفياً، بدا مفهوماً ومبرراً أن تتهم إدارة ترامب كول توماس ألين بمحاولة اغتيال الرئيس، إضافة إلى تهمتين أخريين منهما تتلاشى أهميتهما أمامها، مثل نقل سلاح عبر الولايات بقصد القيام بجناية، وإطلاق النار أثناء ارتكاب جريمة عنف.

"الغبي المفيد"… حين تخدم الجريمة السياسة
التهمة الأولى كفيلة بجعل ألين، في حال تذنيبه، يمضي ما تبقى من حياته في السجن. التهمة نفسها التي أسقطتها إدارة ترامب وتياره السياسي على الخصوم، "اليسار المتطرف" بخطابه العنفي الذي يشيطن الرئيس ويحرّض مجنوناً مثل ألين، بحسب وصف ترامب للمشتبه به، للتخطيط وتنفيذ عملية اغتيال.
من حيث لا يدري، أدى ألين من جديد دور "الغبي المفيد"، هذا الذي يصل إلى مسرح الأحداث ليساعد أعداءه في ذروة أزمتهم السياسية، بينما الرئيس يعاني انخفاضاً في نسب قبول الأميركيين لطريقة إدارة ملفاته، وعلى رأسها حرب إيران، إضافة إلى ملفات الداخل. وهي فرصة لن يوفرها ترامب وتياره لمحاولة تحقيق مكاسب، منها النفخ في صورة البطل المقاتل من أجل الأميركي العادي والمستهدف بسبب تضحياته. تكتيك هجومي لا يجد خصوم ترامب وسيلة للرد عليه إلا بالتذكير بأن العنف يجر العنف، مع استنكارهم الكامل للفعل ذاته، أي محاولة الاغتيال.
القصة التي تتكرر
كل هذا رآه الأميركيون من قبل، مراراً وتكراراً. العنف والانقسام والذئب المنفرد ومحاولات الاغتيال وفشلها والنهاية المأسوية دائماً للذئب، والجدال السياسي اللاحق، والكرّة المعادة مضموناً، وإن اختلفت شكلاً. ومع أن كول توماس ألين كان لديه الوقت كله للتفكر وهو يطل من نافذة القطار على بلاده، إلا أنه لم يعد حساباته ولم يعدل عن فكرته غير الفريدة من نوعها، بتغيير الواقع القائم بالعنف، وبسذاجة لا يُحسد عليها "القاتل الفيدرالي اللطيف"، كما لقّب نفسه.