ثروات العراق المنهوبة بعد "صولة الفجر"

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لم يكن العراقيون بحاجة إلى حملة جديدة ليقتنعوا بأن الفساد استنزف الدولة طوال عقدين من الزمن. منذ عام 2003، لم تتوقف التحقيقات في هذا الملف، وتعاقبت الحكومات على إطلاق حملات لمكافحة الفساد، فيما ظل السؤال نفسه يتكرر: أين ذهبت مئات مليارات الدولارات التي دخلت البلاد، ولماذا بقي استردادها أصعب كثيراً من اكتشاف سرقتها؟

اليوم تعيد عملية "صولة الفجر" هذا السؤال إلى الواجهة. ولا تُقَاس أهمية الحملة التي أطلقتها الحكومة العراقية في 28 حزيران/يونيو بعدد المداهمات أو الموقوفين، بل بقدرتها على كسر الحلقة التي أخفقت فيها معظم الحملات السابقة: تحويل الأموال المضبوطة إلى أموال مستردة تعود فعلياً إلى خزينة الدولة.

خلال الأيام الأولى من "صولة الفجر"، توالت الإعلانات عن العثور على مبالغ نقدية ضخمة، وذهب، وعقارات، وسيارات في عدد من المحافظات، ولاسيما في القضايا المرتبطة بمسؤولين سابقين في وزارة النفط. وتشير أحدث بيانات مجلس القضاء الأعلى إلى ضبط 127 مليار دينار عراقي (نحو 97 مليون دولار)، و24 مليون دولار نقداً، وثمانية كيلوغرامات من الذهب، في القضية المتعلقة بوكيل وزارة النفط السابق لشؤون التصفية، عدنان محمد الجميلي، مع استمرار ارتفاع الحصيلة إثر اكتشاف مخابئ جديدة للأموال.

وفي ملف منفصل، أعلن القضاء ضبط نحو 11 مليون دولار وأربعة مليارات دينار (نحو 3.05 ملايين دولار)، إضافة إلى عقارات، في قضية وكيل وزارة النفط السابق لشؤون التوزيع، علي معارج صويدج البهادلي، فيما تؤكد السلطات أن التحقيقات لا تزال مستمرة، وأن الأرقام مرشحة للارتفاع مع تواصل المداهمات. وأسفرت المرحلة الأولى من "صولة الفجر" عن توقيف ما لا يقل عن 21 متهماً، وفق البيانات الحكومية الأولية.

 

فارق قانوني لا بد من إيضاحه

لكن حجم المضبوطات، مهما بلغ، لا يعني أن الأموال أصبحت ملكاً للدولة. الأموال والعقارات المضبوطة كلها تبقى خاضعة إلى الحجز التحفظي إلى حين انتهاء التحقيقات وصدور أحكام قضائية نهائية بالمصادرة أو الاسترداد. ويغيب هذا الفارق القانوني عن كثير من التغطيات الإعلامية، مع أن الضبط يختلف عن المصادرة، كما تختلف المصادرة عن الاسترداد الفعلي ودخول الأموال إلى الخزينة.

وثمة حقيقة أخرى لا تقل أهمية. لا تمثل الأموال التي يُعثَر عليها في المنازل والمزارع سوى جزء من خريطة أوسع بكثير. إذ لم يختفِ المال العام المنهوب في العراق داخل خزائن سرية فحسب، بل تحوّل خلال السنوات الماضية إلى عقارات وشركات واستثمارات وأسهم وحسابات مصرفية داخل البلاد وخارجها.

في عام 2021، قدّر الرئيس العراقي آنذاك، برهم صالح، الأموال التي هُرِّبت إلى الخارج منذ عام 2003 بنحو 150 مليار دولار، من أصل ما يقارب تريليون دولار دخلت العراق من عوائد النفط خلال الفترة نفسها. وعلى الرغم من أن هذا الرقم يمثل تقديراً عاماً، لا حصيلة قضائية نهائية، فإنه يعكس حجم الفجوة بين الموارد التي دخلت البلاد والثروات التي خرجت منها في صورة غير مشروعة.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك قضية "سرقة القرن"، التي كُشِف عنها في عام 2022، عندما سُحب نحو 2.5 ملياري دولار من أموال الأمانات الضريبية عبر شبكة من الشركات الوهمية والشيكات، ضمّت موظفين حكوميين ورجال أعمال ووسطاء وشخصيات نافذة. ومنذ ذلك الحين، توسعت التحقيقات لتشمل عشرات المتهمين، وأصدرت المحاكم العراقية أحكاماً بالسجن بحق عدد من موظفي هيئة الضرائب ومسؤولين آخرين، مع ملاحقة متهمين فارين عبر الإنتربول، بينما أعلنت السلطات استرداد جزء من الأموال ومصادرة أصول وعقارات.

 

حزم من النقود المضبوطة (وكالة الأنباء العراقية)


مبالغ وأصول ضخمة

لا تقتصر مسارات الفساد على اختلاس الأموال العامة، بل تشمل أيضاً مزاد العملة، والتحويلات المصرفية الوهمية، وفواتير الاستيراد المزورة، التي استُخدِمت في تهريب الدولار إلى الخارج. وقد فرضت السلطات العراقية قيوداً على عدد من المصارف المحلية بعد اتهامها بالمشاركة في تحويلات مخالفة، بالتزامن مع ضغوط أميركية لتشديد الرقابة على حركة الدولار ومنع وصوله إلى جهات خاضعة للعقوبات. ويبرز كذلك ملف تهريب المشتقات النفطية، إذ تقدّر تحقيقات صحافية أرباح تهريب زيت الوقود الثقيل بما يتراوح بين مليار وثلاثة مليارات دولار سنوياً، ما يعني أن جزءاً من الأموال غير المشروعة لا يرتبط بجرائم الماضي فحسب، إذ يستمر إنتاجه عبر شبكات لا تزال ناشطة.

إذا كانت "صولة الفجر" قد نجحت في الكشف عن مبالغ وأصول ضخمة، فإن المرحلة الأصعب تبدأ بعد انتهاء المداهمات. لا يتوقف استرداد المال العام عند ضبط النقد أو حجز العقارات، بل يمر بسلسلة طويلة من الإجراءات القضائية والمالية، ولا يكتمل إلا بانتقال ملكية تلك الأموال والأصول إلى الدولة بموجب أحكام قضائية نافذة. ولهذا لا تكفي إدانة المتهم وحدها، إذ تكون الأموال في حالات كثيرة قد تحوّلت إلى عقارات أو شركات أو حسابات مصرفية أو استثمارات مسجلة بأسماء أقارب أو شركاء أو شركات واجهة. ومع كل انتقال جديد للملكية، يصبح إثبات الصلة بين الأصل المالي والجريمة أكثر تعقيداً.

وتزداد المهمة صعوبة عندما تكون الأموال خارج العراق، إذ يعتمد استردادها على التعاون القضائي الدولي، وطلبات المساعدة القانونية المتبادلة، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، واستعداد السلطات القضائية والمصارف الأجنبية لتنفيذ الأحكام العراقية. ولهذا قد تستغرق بعض الملفات سنوات قبل أن تنتهي بعودة الأموال أو الأصول. وقبيل إطلاق "صولة الفجر"، خلص تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومجلس القضاء الأعلى إلى أن العراق لا يعاني نقصاً في التشريعات الخاصة بمكافحة الفساد، بقدر ما يواجه بطئاً في تعقب الأصول، وضعفاً في التنسيق بين المؤسسات، وتعقيداً في تنفيذ الأحكام، ولاسيما في القضايا العابرة للحدود.

 

المُسترد محدود

في صورة أشمل، تشير الأرقام الرسمية إلى أن العراق أحرز تقدماً في استرداد الأموال، لكن ما استُرِد لا يزال محدوداً مقارنة بحجم الأموال التي يُعتقَد أنها خرجت من البلاد. لقد أعلن صندوق استرداد أموال العراق أن إجمالي ما استرده منذ تأسيسه بلغ نحو 379 مليون دولار، فيما أعلنت وزارة العدل استعادة أكثر من 25 مليون دولار خلال السنتين الماضيتين عبر تنفيذ أحكام قضائية.

هنا، تشير بيانات رسمية إلى وجود أموال أو أصول عراقية مجمدة أو قيد المتابعة تبلغ نحو 193 مليون دولار في تركيا، و700 مليون دولار في الأردن، و1.45 مليار دولار في سوريا. أما في لبنان، فقد استعاد العراق أكثر من ثلاثة ملايين دولار في قضية مرتبطة بأموال أمانة بغداد، بعدما سبق أن استعاد أكثر من تسعة ملايين دولار من مصارف لبنانية أُودِعت فيها الأموال بأسماء مستعارة. غير أن هذه الأرقام تراكمية، ولا ترتبط مباشرة بنتائج "صولة الفجر"، بل بملفات امتدت لسنوات.

وفي موازاة ذلك، أعلنت الحكومة إنشاء حساب خاص لإيداع الأموال المستردة من قضايا الفساد والكسب غير المشروع، في خطوة تهدف إلى قياس نتائج الحملة بما يعود فعلياً إلى الخزينة، لا بما يُعثَر عليه خلال المداهمات. غير أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهوناً بالشفافية، من خلال نشر بيانات دورية توضح قيمة الأموال التي دخلت الحساب، ومصادرها، ووضعها القانوني، وما إذا كانت قد أصبحت نهائياً ملكاً للدولة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية