تونس... حين كشف الجفاف هشاشة منظومة المياه

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

خلال الأعوام الأخيرة تحول الجفاف في تونس من أزمة موسميةً مرتبطة بشح الأمطار، إلى تحدٍ يفرض نفسه على مستقبل الأمنين المائي والغذائي، في وقت تؤكد فيه تقارير دولية أن البلد يُعد بين أكثر دول حوض البحر الأبيض المتوسط تعرضاً لتداعيات التغير المناخي، ويدق فيه المجتمع المدني ناقوس الخطر محذراً من التداعيات المحتملة على الاقتصاد والمجتمع.

 

وفيما لايزال البلد يعاني من تداعيات مواسم متتالية من الجفاف، تصاعدت في الأسابيع الأخيرة الاحتجاجات في عدد من المناطق التونسية، بعضها يقع شمالاً حيث السدود الكبرى، بسبب الانقطاعات المتكررة لمياه الشرب أو عدم توافرها حيث عمد السكان الى إغلاق الطرق والتظاهر، تزامناً مع تجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية.

 

 

نساء ينتظرن لملء الأوعية بالماء من بئر ري خاصة وفرها مزارع في بلدة سبيخة، التي تعاني من مشاكل في مياه الشرب منذ سنوات، بالقرب من مدينة القيروان وسط تونس في 25 حزيران 2024 (أ ف ب)

 

وتعكس الاحتجاجات الأخيرة حجم الضغوط التي تواجهها منظومة المياه في تونس، وأعلن مرصد المياه (غير حكومي) تلقيه خلال حزيران/يونيو الماضي 423 بلاغاً بشأن خدمات التزود بالمياه.

 

أزمة هيكلية في تونس

يؤكد خبير المياه حسين الرحيلي لـ"النهار" أن أزمة الجفاف التي تعيشها تونس ليست ظرفية أو مرتبطة بموسم واحد، بل هي نتيجة تراكمات امتدت سنوات بفعل التغيرات المناخية، وتراجع معدلات الأمطار، في مقابل ارتفاع قياسي لدرجات الحرارة.

 

ويشير إلى أن البلاد دخلت مرحلة جديدةً باتت فيها ندرة المياه واقعاً دائماً يفرض التكيف معه. فالسدود لم تعد تستقبل الكميات المعتادة من المياه، في وقت يتواصل فيه الضغط على الموائد المائية العميقة، ما تسبب بخفض منسوبها وتراجع جودتها في عدد من المناطق.

 

وأكد أن التغير المناخي لم يؤثر في كميات التساقطات المطرية فحسب، بل غيّر أيضاً توزيعها الجغرافي، إذ شهدت تونس موسماً ماطراً هذا العام، غير أن كمية مهمة من الأمطار كانت خارج أحواض السدود، وهو ما حدّ من الاستفادة منها في تعزيز المخزون المائي.

 

تحسن غير كاف

ورغم تحسن نسبة امتلاء السدود هذا العام إلى أكثر من 50 بالمئة، بعد أن تراجعت خلال سنوات الجفاف إلى أقل من 30 بالمئة، وهي نسبة وصفتها وزارة الفلاحة بأنها مطمئنة، يرى الرحيلي أن هذا التحسن كان يفترض أن ينعكس على انتظام التزود بالمياه، إلا أن الانقطاعات لاتزال متواصلة في عدد من المناطق.

 

ويعتبر أن مواجهة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على انتظار مواسم ماطرة، وإنما تتطلب استراتيجية وطنية شاملة ترتكز على تحديث شبكات توزيع المياه، وتقليص نسب الإهدار، وتوفير الاعتمادات المالية اللازمة لتحسين البنية التحتية.

 

نساء يقفن بجوار حمير تحمل صفائح لملئها من بئر في بلدة السبيخة، التي تعاني من مشاكل مياه الشرب منذ سنوات، بالقرب من مدينة القيروان بوسط تونس (25 حزيران 2024، أ ف ب).

 

ولا تتوقف تداعيات الجفاف عند حدود أزمة المياه، فقد امتدت إلى القطاع الزراعي، حيث تراجعت المحاصيل الزراعية ما تسبب بارتفاع أسعار المواد الغذائية في بلدٍ يعتمد في جزء كبير على انتاجه المحلي لتوفير حاجات سكانه.

 

التحدي الأكبر

ويُحذر من أن استمرار هذا الواقع ستكون له آثار مباشرة على الإنتاج الفلاحي، والأمن الغذائي، داعياً إلى إدراج ملف الأمن المائي من ضمن أولويات السياسات العمومية، باعتباره أحد أبرز التحديات التي ستحدد مستقبل البلاد خلال السنوات المقبلة.

 

هكذا، لم يعد الجفاف في تونس أزمة ترتبط بموسم شحيح الأمطار، فهو تحول إلى اختبارٍ لقدرة الدولة على إدارة مورد بات أكثر ندرة وتقلباً. فحتى مع تحسن مخزون السدود هذا العام، لم تتراجع أزمة الانقطاعات ولا الاحتجاجات، في إشارة إلى أن التحدي يتجاوز كمية المياه المتوافرة إلى كيفية إدارتها وتوزيعها.

 

وبين مناخ يزداد قسوةً وبنية مائية تحتاج إلى إصلاح، تبدو تونس أمام سباق مع الزمن للحفاظ على قطاعها الزراعي وأمنها الغذائي، قبل أن تتحول ندرة المياه من أزمة خدمات إلى أزمة تنموية تمس استقرار البلاد.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية