تهبُّ الرياح بما لا تشتيه السفن

تأتي احتفاليات كأس العالم هذه المرة لكرة القدم، التي تحتضنها كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، في ظل متغيرات العالم السياسية ومتغيرات عالم أمريكا الداخلي، بما لا تشتهيه رياح سفن “الحلم الأمريكي” وصورة الولايات المتحدة ودورها وعالمها الذي غيّر العالم إلى حين وتربّع على عرش أكبر إمبراطورية في التاريخ، تدير العالم بقوة الاقتصاد وبقوة القوة وبالقوة الناعمة التي أنتجتها ونشرتها عبر العالم تعزيزا لأكبر مد رأسمالي في التاريخ.
لقد أدّت الولايات المتحدة دورا محوريا في الحرب العالمية الثانية، سواء في تدخلها وإنزالها البحري على شواطئ النورماندي بفرنسا والمساهمة مع الاتحاد السوفياتي في هزيمة النازية، من دون خسائر بشرية كبيرة قياسا مع الروس الذين تكبّدوا نحو 25 مليون قتيل، أو في مشروع مارشال الذي أعاد بناء أوروبا وبنى جدارا فولاذيا أمام تقدم “المشروع الأحمر” وقسَّم حتى العاصمة الألمانية إلى شطرين، سيجعل من ذلك وثبة القرن في أثر “نمط الحياة الأمريكي” وتأثيره على كل قارات العالم، وبالتدريج إلى أن وصلت إليه اليوم، بعد أن أصبح هذا النموذج الرأسمالي أنموذجا عالميا.
كل هذا كان عبر القوة الناعمة أولا، ثم قوة القوة وقوة الاقتصاد، والثالوث هذا كان دائما يشتغل بأبعاده الثلاثة، مع وجود فترات تغير في الترتيب، ترتيب التأثير. غير أن القوة الناعمة بقيت لفترة طويلة هي حارسة ظل الهيمنة الأمريكية: التعليم، والجامعات، واستضافة الخبرات والعلماء، وفتح المجال للهجرة الذكية، مما سمح حتى لبسطاء الناس المقهورين في بلدانهم، سواء في بلدان شرق آسيا أو أوروبا أو القارات الأخرى ومنها إفريقيا والعالم والإسلامي بتحقيق أحلامهم في بلاد الحرية، بفضل هذا المناخ الحرّ وهذا السقف الشاهق في البحث والاكتشاف والاختراع والإبداع الفني، في السينما والموسيقى وكل أشكال وأنواع الفنون التجارية الأخرى، يضاف إلى سجلّ الوظائف المغرية التي استقطبت بسطاء الناس من كل القارات، سمح بتفوق كل هؤلاء. هذا البلد، صار يبدو وكأنه بلد المعجزات، التي يتمكن فيها أيٌّ كان بعمله وجهده وفكره وعقله أن يحقق ما أراد، صار في ما بعد صورة لـ”الحلم الأمريكي” للأمريكيين ولغيرهم ممن اكتسبوا الجنسية بعد نجاحاتهم على أرض الهجرة الجديدة، اقتصاديا وشهرة وسمعة. تجارة المال والأعمال والرجال والنساء وتجارة صورة الأمريكي وتسويقها، جعلت هذا الحلم ينتشر حول العالم وتتحول الولايات المتحدة إلى قبلة لهجرات المادة الرمادية وللأيادي العاملة الطامحة في خرق الأسقف غير العالية في بلدانها.
غير أن الحلم، يبدو أن قد بدأ يذبل مع بداية التضييق على الهجرة وسياسة اليمين والانعزالية الاقتصادية والتجارية وحتى الثقافية والعلمية والرياضية، وبدأ اللون الشاحب والعبوس الحضاري يظهر على وجه هذا البلد الذي صار يمثل الأنموذج الأكبر للحداثة الغربية. لقد انتشرت هذه الصورة بفضل الحريات بالدرجة الأولى التي كان يجدها أي وافد على هذه الديار: في التجارة وفي الفن والرياضة وفي الاستثمار وفي البحث والتعليم والتكوين والإبداع والابتكار وفي كل المجالات، لكن هذه المسائل كلها بدت وكأنها تتراجع مؤخرا: وقف التمويل الحكومي لبعض الجامعات ومراكز البحث، والتوقف عن منح المساعدات المالية لمؤسسات المعنية بتلميع وجه أمريكا عالميًّا، والضغوط التجارية رفع الرسوم، وتضييق الخناق على الهجرة، وإشعال الحروب ونار الفتن بين أطياف الشعب في الداخل وتأجيج نزعات الاستقلالية والانفصال، مع تهديد حتى أمن الجيران بمن فيهم تلك التي كانت سابقا قد اتحدت معها قصد تنظيم كأس العالم لكرة القدم في طبعة 2026. كل هذا يشي ببداية تغير كبير.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post تهبُّ الرياح بما لا تشتيه السفن appeared first on الشروق أونلاين.