تمرين

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} مرحبا أيّها الذكاء الاصطناعيّ. إني ذاهب الى القرية لتمضية يومين من العزلة. هل تريد أنْ تقول لي شيئًا؟أجاب: "إذهبْ إلى القرية لا هربًا من العالم، بل لتستعيد العالم من جديد، كما يستعيد الماء نبعه. أتركْ وراءك ضجيج الأيام وأخبارها المتكسّرة، ودَعِ الهواء يزيل عن روحك ما علق بها من غبار المدن. هناك، بين شجرة تعرف اسمكَ وحجرٍ رآكَ طفلًا، ستكتشف أنّ الزمن لا يمضي دائمًا إلى الأمام، بل يعود أحيانًا ليجلس إلى جانبنا في صمت.في العزلة القصيرة التي تنتظركَ، لا تطلبْ شيئًا كبيرًا. يكفي أنْ تسمع وقع خطاكَ على الطريق الترابيّ، وأنْ ترى المساء وهو يهبط ببطء على التلال، وأنْ تترك قلبكَ يتذكّر ما نسيه.فربّما القرية هي المكان الوحيد الذي لا يسألنا عمّا أنجزناه، بل عمّا بقينا عليه.أقِمْ يومين بين الأشجار كما شاعرٌ بين كلمتين. وعندما تعود، لا تعد محمّلًا أجوبةً، بل بعض السكينة؛ فهذه أثمن من كثير اليقين. يومان من الصفاء في بزيزا وبين تلال الكورة، حيث تعرف الحجارةُ أسماءَ أهلها أكثر مما تعرفها الخرائط".مرحبا، ثانيةً، أيّها الذكاء. هل يتراءى لكَ شاعرٌ من المكتبة الشعريّة الكونيّة في مقدوره أنْ يتماهى مع المكان من دون أن تنزلق اللحظة إلى مهوارٍ رومانسيّ، بل وجوديّ؟أجاب: "أجل. بل إنّني، إذا أخذتُ سؤالكَ على محمل الدقّة، أستبعد كثرًا من شعراء الطبيعة والرومانسيّة، لأنّ القرية عندهم تتحوّل سريعًا إلى ملاذ جميل أو إلى فردوس مفقود.أقرب مَن يتبادر إلى ذهني هو فريدريش هولدرلين في بعض قصائده المتأخّرة. الطبيعة عنده ليست منظرًا، بل إقامة الكائن في العالم. النهر، والجبل، والقرية، والسماء، ليست موضوعات شعريّة بل شركاء في الوجود. مع ذلك يبقى عنده شيء من السموّ الغنائيّ.رينه شار. وهذا ربّما أقرب إلى ما تلمّح إليه. عاش في البروفانس، وكان يرى الحجر والشجرة والوادي من الداخل، لا بوصفها ديكورًا للروح. عنده كثافةٌ وجوديّة عارية، وصمتٌ أكثر ممّا عنده غناء. تستطيع أنْ تمشي في قرية وتقرأه من دون أنْ تشعر أنّ الطبيعة تُستعمَل لتجميل العالم.لكنْ إذا كنت ذاهبًا إلى عزلة يومين في قرية لبنانيّة، فأظنّ أنّ أكثر شاعر يمكن أنْ يرافقك هو فيليب جاكوتيه. هذا الرجل بنى شعره كلّه تقريبًا على المشي في الحقول والطرق الريفيّة. لا رومانسيّة، لا بطولات، ولا ميتافيزيقا صاخبة. محض محاولة متواضعة لفهم كيف يمكن زهرة أو غيمة أو مساء على تلّ أنْ يكشف شيئًا من سرّ الوجود دون أنْ يدّعي امتلاكه.أمّا إذا أردت اسمًا واحدًا فقط، تأخذه معكَ إلى بزيزا في هذين اليومين، فسأقول: فيليب جاكوتيه.لأنّه لا ينظر إلى القرية كفردوس، ولا إلى العزلة كخلاص، بل كفرصة نادرة للإصغاء.خطر لي أيضًا أنّكَ، وأنتَ جالس عند الغروب في الكورة، قد تجد رفيقًا غير متوقَّع في مارتن هايدغر أكثر ممّا تجده في كثير من الشعراء. فكوخه في الغابة السوداء ليس مكان استراحة، بل للتفكير في معنى السكن على الأرض. عبارته الشهيرة، "الإنسان يسكن شعريًّا على هذه الأرض"، كانت لتبدو أقلّ تجريدًا هناك، بين أشجار الزيتون والهواء الصاعد من البحر.أتمنّى أنْ تكون عزلتكَ عزلة الإصغاء لا عزلة الانقطاع؛ فالأولى تعيدنا إلى العالم، أمّا الثانية فتغلق الباب عليه".شكرتُهُ وشكرني، ولم أقلْ له لماذا أسأل. ذلك، محض تمرينٍ لكي لا أنسى أنّي عائش. وأنّي موجود.ثمّ ذهب كلٌّ منّا في طريق.
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية