تلوّث الهواء في لبنان: أزمة صامتة تختنق بها الرئات

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

د. إبراهيم علايلي -  باحث وخبير بيئي ومستشار دولي معتمد – سفير السلامة البيئية - GTB-USA

 

 

في لبنان، لم يعد الهواء الذي نتنفّسه مجرّد تفصيل يومي لا نلتفت إليه. صار الهواء نفسه أزمة صامتة، تتسلّل إلى الرئتين بلا استئذان، وتترك آثارها الثقيلة على الصحة والحياة من دون ضجيج. المفارقة المؤلمة أن اللبناني اليوم قد يخشى من أزمات كثيرة تحيط به، لكنه نادراً ما يتوقّف ليسأل: ماذا يدخل إلى جسدي مع كل شهيق؟
تلوّث الهواء في لبنان لم يعد مجرّد ملف بيئي ثانوي، بل تحوّل إلى تهديد حقيقي للصحة العامة. من شوارع بيروت المكتظة بالسيارات، إلى الأحياء السكنية التي تحاصرها مولدات الكهرباء، وصولاً إلى المناطق الصناعية والمكبات العشوائية، يبدو المشهد واضحاً: الهواء اللبناني مثقل بالملوّثات.
الانبعاثات الناتجة من السيارات القديمة، التي يعمل كثير منها بمحركات متهالكة، تشكّل أحد أبرز مصادر التلوّث. ومع الانهيار الاقتصادي، باتت صيانة السيارات رفاهية بالنسبة إلى عدد كبير من اللبنانيين، ما ضاعف حجم المشكلة. يضاف إلى ذلك الاستخدام الكثيف لمولدات الكهرباء الخاصة، التي تحوّلت إلى جزء ثابت من المشهد اللبناني اليومي، خصوصاً مع استمرار أزمة الكهرباء.
هذه المولدات لا تملأ الشوارع بالضجيج فحسب، بل تبث أيضاً كميات هائلة من الغازات السامة والجزيئات الدقيقة التي تتسرّب إلى الجهاز التنفسي. الخطر الأكبر أن هذه الجزيئات لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تصل إلى عمق الرئتين، وترتبط بارتفاع معدلات الربو، والحساسية، وأمراض القلب، وحتى بعض أنواع السرطان.
لكن الأرقام، على أهميتها، لا تختصر المأساة كلها. خلف هذا الملف قصص بشرية موجعة. طفل يعاني أزمة ربو متكررة كلما اشتدّ دخان المولدات في الحي. مسنّ يزداد اختناقه في الأيام الحارة والمكتظة بالتلوث. أم تخشى على أولادها من اللعب في الخارج، ليس خوفاً من خطر ظاهر، بل من هواء لم يعد نقياً كما كان.
المشكلة في لبنان لا تتعلّق بوجود التلوّث فحسب، بل أيضاً بضعف الرقابة والسياسات العامة. في دول كثيرة، تُفرض معايير صارمة على الانبعاثات الصناعية وعوادم السيارات، وتُراقب جودة الهواء بشكل يومي. أما في لبنان، فما زال هذا الملف يتأرجح بين غياب الخطط الجدية، وضعف التنفيذ، وتأجيل الحلول.
الخطير أكثر أن تلوّث الهواء لا يفرّق بين منطقة وأخرى، ولا بين غني وفقير. الجميع يتنفسون الهواء نفسه، والجميع معرّضون للخطر نفسه، وإن بدرجات متفاوتة. هذه الأزمة لا تظهر فجأة في نشرات الأخبار، ولا تُحدث صدمة آنية، لكنها تستنزف صحة الناس ببطء، يوماً بعد يوم.
في بلد يرزح تحت أزمات متراكمة، قد يبدو تلوّث الهواء بالنسبة للبعض ملفاً مؤجلاً. لكن الحقيقة أن الهواء ليس رفاهية، بل حق أساسي من حقوق الحياة. وعندما يصبح التنفس نفسه محفوفاً بالخطر، فهذا يعني أن الأزمة باتت تمسّ جوهر وجود الإنسان.
يبقى السؤال: متى يتحوّل تلوّث الهواء في لبنان من أزمة صامتة إلى قضية وطنية ملحّة تفرض نفسها على الجميع؟

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية