تكريم مسؤول أممي بتندوف يطرح تساؤلات حول حياد المنظمات الدولية
قام ممثل المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالجزائر المنتهية ولايته، أليستير بولتون، بزيارة إلى مخيمات تندوف، اختتمها، بحر هذا الأسبوع، بلقاء مع زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، وذلك في إطار إنهاء مهامه بالجزائر بعد سنوات من توليه مسؤولية تمثيل المفوضية الأممية.
شهدت الزيارة تنظيم جبهة البوليساريو حفل توديع على شرف المسؤول الأممي، تخلله تقديم تكريم له، في خطوة أثارت انتقادات من متابعين لقضية الصحراء المغربية الذين اعتبروا أن هذا النوع من المبادرات يطرح تساؤلات بشأن مسافة الحياد المفترضة في عمل مسؤولي المنظمات الدولية، لا سيما في الملفات ذات الطابع السياسي والإنساني المعقد.
تأتي هذه التطورات في ظل استمرار الجدل المرتبط بالأوضاع الإنسانية في مخيمات تندوف، حيث توجه منظمات غير حكومية وتقارير متواترة اتهامات إلى قيادة البوليساريو الانفصالية باستغلال الوضع الإنساني للسكان وتوظيفه في خدمة أجنداتها السياسية، فضلا عن شبهات تتعلق بسوء تدبير جزء من المساعدات الإنسانية الموجهة للمخيمات.
وفي هذا الإطار، تواصل دول ومنظمات مانحة عدة التشديد على ضرورة إجراء إحصاء دقيق لسكان مخيمات تندوف باعتباره مدخلا أساسيا لتعزيز الشفافية وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها؛ غير أن هذا المطلب ظل يواجه برفض من جبهة البوليساريو والسلطات الجزائرية، ما يبقي الجدل قائما بشأن الأعداد الحقيقية للسكان وآليات تدبير الدعم الإنساني الموجه إلى المخيمات.
اختلالات مزمنة
تعليقا على الموضوع، قال السالك رحال، الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام”، إن الطريقة التي يُدار بها ملف اللاجئين في مخيمات تندوف تظل حالة استثنائية على الصعيد الدولي، بالنظر إلى استمرار غياب إحصاء رسمي ودقيق لساكنة المخيمات رغم المطالب المتكررة الصادرة عن المغرب، وكذا دعوات مجلس الأمن الدولي المتواصلة منذ سنوات لتسجيل اللاجئين وتحديد أعدادهم الحقيقية.
وأضاف رحال، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لم تتمكن إلى حدود اليوم من إجراء عملية إحصاء شاملة لسكان المخيمات، رغم أن ذلك يعد من صميم اختصاصاتها، مبرزا أن غياب هذه العملية يحول دون معرفة العدد الحقيقي للساكنة وأصولها الجغرافية، ويجعل ملف اللاجئين في تندوف خارج المعايير المعمول بها في مختلف مناطق النزوح واللجوء عبر العالم.
وأوضح المتحدث أن رفض الجزائر وجبهة البوليساريو السماح بإحصاء السكان يرتبط، بحسب تقديره، بالخوف من الكشف عن المعطيات الديمغرافية الحقيقية داخل المخيمات، وما قد تبرزه من وجود فئات واسعة لا تنحدر من إقليم الصحراء، مشيرا إلى أن هذا المعطى ظل محل نقاش منذ سنوات في ارتباط بطبيعة التركيبة السكانية للمخيمات.
ونبّه المصرح لهسبريس إلى أن استمرار هذا الوضع يطرح إشكالات قانونية وسياسية مرتبطة أيضا بالوضع الذي تروج له جبهة البوليساريو، مؤكدا أن الجمع بين خطاب الدولة المعلنة فوق التراب الجزائري وبين صفة اللاجئين التي يحملها سكان المخيمات يثير تساؤلات بشأن الأسس التي تستند إليها الجبهة في تقديم نفسها وتمثيلها للساكنة.
وتابع قائلا: “إن غياب أي ضغط فعلي من أجل فرض إحصاء اللاجئين، رغم المطالب الأممية المتكررة، يفسر حالة التساهل التي تطبع التعاطي مع هذا الملف، ويغذي الانطباع بوجود غض طرف عن عدد من الاختلالات المرتبطة بتدبير أوضاع المخيمات”.
وخلص السالك رحال إلى أن الجدل لا يقتصر على مسألة الإحصاء فقط، بل يمتد إلى ملف المساعدات الإنسانية، مذكرا بما ورد في تقارير سابقة، من بينها تقرير المكتب الأوروبي لمكافحة الغش (OLAF)، الذي تحدث عن تحويل جزء من المساعدات الموجهة إلى مخيمات تندوف عن مساراتها الأصلية، مشددا على أن ضمان الشفافية يظل رهينا بإحصاء السكان وتعزيز آليات المراقبة والتتبع.
إحصاء غائب
من جانبه، أكد محمد فاضل بقادة، رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية لحركة “صحراويون من أجل السلام”، أن زيارة ممثل المفوض السامي لشؤون اللاجئين بالجزائر المنتهية مهامه، أليستير بولتون، إلى مخيمات تندوف تندرج في سياق بالغ الحساسية، يتزامن مع الحركية التي تعرفها قضية الصحراء على المستوى الأممي والدولي، الرامية إلى الدفع بالملف نحو أفق سياسي يضع حدا لحالة الجمود المستمرة منذ عقود.
وسجل بقادة، ضمن تصريح لهسبريس، أن النقاش الذي رافق الزيارة لا ينفصل عن ضرورة احترام مبدأ الحياد الذي يفترض أن يؤطر عمل المسؤولين الدوليين، خاصة في القضايا المرتبطة بالنزاعات الممتدة، حيث تكتسي المواقف والتصرفات الرمزية أهمية خاصة بالنظر إلى انعكاساتها على إدراك مختلف الأطراف لدور المؤسسات الأممية ومصداقيتها.
وأضاف أن ملف الصحراء لا يرتبط فقط بمسار التسوية السياسية، بل يشمل أيضا أبعادا إنسانية تهم آلاف الصحراويين المقيمين في مخيمات تندوف، الذين ظلوا لعقود رهائن لواقع استثنائي فرضته حالة الانتظار واستمرار النزاع دون حسم نهائي.
وأوضح رئيس مركز الدراسات السياسية أن الجانب الإنساني ظل من أكثر الملفات إثارة للنقاش في ارتباط بمطالب متواصلة بتعزيز الشفافية في تدبير المساعدات الإنسانية، وإرساء آليات أكثر فعالية للتتبع والمراقبة، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه ويحفظ كرامة الساكنة بعيدا عن أي اعتبارات سياسية.
واسترسل المصرح ذاته بأن “استمرار غياب إحصاء دقيق وشفاف لسكان مخيمات تندوف يساهم في تكريس الوضع القائم، ويحد من إمكانية بناء مقاربة إنسانية متكاملة تستجيب للحاجيات الحقيقية للسكان، كما يفتح المجال أمام استمرار الجدل المرتبط بتدبير المساعدات والبرامج الموجهة للمخيمات”.
وفي هذا السياق، يرى محمد فاضل بقادة أن إنهاء معاناة سكان المخيمات يقتضي مواكبة المسار السياسي بمقاربة إنسانية مسؤولة تضع مصالح اللاجئين في صلب الاهتمام، وتوفر الظروف الكفيلة بتمكينهم من العيش الكريم والاستفادة من الحقوق والفرص التي تتيحها التنمية والاستقرار.
وأنهى المحلل السياسي حديثه لهسبريس بالتأكيد أن التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم لقضية الصحراء لا يمثل فقط مصلحة للأطراف المعنية مباشرة، بل يشكل رافعة أساسية لتعزيز الاستقرار الإقليمي ودعم التعاون المغاربي ومواجهة التحديات المشتركة التي تعرفها منطقة الساحل وشمال إفريقيا.
The post تكريم مسؤول أممي بتندوف يطرح تساؤلات حول حياد المنظمات الدولية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.