تقشّف مالي لوكالات الأمم المتحدة في لبنان: من يُغيث هيئات الإغاثة؟
من 3.72 مليارات دولار أميركي لعام 2025 إلى 3.45 مليارات دولار لعام 2026، خُفضت الميزانية العادية للأمم المتحدة، ما يؤكد حجم أزمة السيولة للمنظمة الدولية.
هذا الخفض ينعكس حكماً على عمل مؤسسات الأمم المتحدة ومجالات الإغاثة فيها، فهل باتت تلك المنظمات تحتاج إلى مساعدة، وهي التي يُفترض بها أن تغيث؟
قرار الخفض المالي أدى إلى إلغاء ما يقارب 2900 وظيفة، فضلاً عن خفض 21% من مخصّصات البعثات السياسية الخاصّة. فأيّ تأثير لذلك على عمل الوكالات في لبنان؟ لا سيما أن البلاد تمر بأزمات اجتماعية ومعيشية صعبة فرضتها الحرب، ما يحتّم رفع منسوب الإغاثة؟
يكشف نائب الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان (UNDP) ثائر شرايده أن "وكالات الأمم المتحدة في لبنان تعمل وسط أزمة تمويل عالمية أوسع نطاقاً تؤثر على منظومة الأمم المتحدة برمّتها، ويعكس ذلك اتساع الفجوة بين الحاجات المتزايدة بسرعة والموارد الدولية المحدودة، نتيجة تعدّد الأزمات المتداخلة حول العالم، ما يؤثر على أولويات المانحين في سياق ميزانيات تتسم بمزيد من التقشف".
2019: انهيار اقتصادي
تعتمد وكالات، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بشكل أساسي على المساهمات الطوعية، التي تظلّ رهناً بأولويات المانحين والاتجاهات العالمية.
لا شك في أن مجالات الـUNDP في لبنان واسعة ولطالما شكلّت عاملاً مساعداً، إلا أنه وفق شرايده، "على الرغم من استمرار دعم الشركاء الدوليين، فإن هذه الضغوط تتفاقم في لبنان بسبب حجم الأزمة وطبيعتها الممتدة.
فمنذ عام 2019، يواجه البلد انهياراً اقتصادياً حاداً، أعقبته تصعيدات متكررة في النزاع، ما أدى إلى زيادة كبيرة في الطلب على الدعم عبر مختلف القطاعات. وبالتالي، فإن التحدي لا يكمن في غياب التمويل بذاته، بل في مواكبة الحاجات المتزايدة ضمن بيئة عالمية شديدة القيود".
"اليونيفيل": أزمة مالية
وسط التحديات الكثيرة، تبرز قوة "اليونيفيل" جنوباً، التي لم تسلم هي الأخرى من الخفض.
يرى المتحدث الرسمي باللغة العربية باسم "اليونيفيل" داني الغفري أنه "كنتيجة مباشرة للأزمة المالية في الأمم المتحدة، اضطرت اليونيفيل، خلال الأشهر الماضية، إلى خفض عدد جنود حفظ السلام العسكريين الموجودين في جنوب لبنان بنحو ألفي جندي".
ويخبر أنه "إثر قرار صادر عن مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك، اضطرت بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة حول العالم، بما فيها اليونيفيل، إلى خفض التكاليف".
في تشرين الثاني 2025، بدأ تطبيق خفض قوات "اليونيفيل"، إذ عاد حوالي 2000 جندي إلى ديارهم، منهم حوالي 280 جندياً من قوات حفظ السلام البحرية عادوا إلى ديارهم في أول كانون الأول 2025 مع مغادرة سفينتين من قوة "اليونيفيل" البحرية.
يعلق الغفري: "خفض عدد أفراد اليونيفيل بنحو 25 % ناجم عن الأزمة المالية التي تؤثر على المنظمة بأكملها. هذه التخفيضات لا علاقة لها بقرار مجلس الأمن الأخير رقم 2790 ببدء تقليص قوات اليونيفيل وانسحابها النهائي في عام 2027. إن ولايتنا ستستمر على النحو المنصوص عليه في القرار 1701 حتى نهاية عام 2026".
هذا الأمر يؤكد مدى انعكاس "التقشف" المالي الذي تمارسه مؤسسات الأمم المتحدة بأكملها.

حاجات طارئة
يروي شرايده أن "حجم الحاجات ارتفع بشكل ملحوظ في مجالات البنية التحتية والخدمات وسبل كسب العيش والاستقرار الاجتماعي، ومن ناحية أخرى، يسعى المانحون إلى تحقيق التوازن بين العديد من الاستجابات الإنسانية الطارئة على المستوى العالمي. فقد أصبحت بيئة التمويل أكثر تنافسية، واتسمت بكونها قصيرة الأجل وأكثر تحديداً من حيث الأهداف".
هكذا، نجح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الحفاظ على مسارات برامجية متعددة لدعم الاستقرار والتعافي الاقتصادي ومجالات شتى من برامج الحوكمة.
يستدرك شرايده: "حالة عدم الاستقرار التي تشهدها البلاد ومحدودية القدرات المؤسسية الوطنية تفرض تحدّيات أمام البرنامج في تطوير برامج التعافي والتنمية المستدامة. لا يزال لبنان يُمثّل أولوية بالنسبة إلى العديد من الشركاء، ويواصل البرنامج تعبئة التمويل عبر إبراز الأثر المحقق ودعم الاستجابات بقيادة وطنية، والتركيز على المجالات التي تحقق قيمة مضافة، ولا سيما تعزيز المؤسسات الوطنية، دعم المستجيبين الأوائل وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على الصمود في وجه الصدمات".
أمام هذا الشحّ المالي العالمي، يمكن أن يؤثر تراجع التمويل المخصّص لهيئات الامم المتحدة، ومنها الـUNDP على نطاق التدخلات ووتيرة تنفيذها.
يلفت شرايده إلى أن "هذا الواقع يستدعي إعادة ترتيب الأولويات للتركيز على المناطق والقطاعات الأكثر إلحاحاً، أو تنفيذ الأنشطة على مراحل، أو حصر التدخلات في المناطق الأشد حاجة، بيد أن ذلك سيؤثر على الأهداف الإجمالية والتدخلات المتصلة بالتعافي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة".
ويعطي أمثلة حول استراتيجية البرنامج راهناً، "كدعم آليات التنسيق الوطنية، تعزيز تقديم الخدمات بلدياً، تمكين التعافي المبكر، فضلاً عن التركيز على ضمان الاستخدام الأمثل والفعال للموارد المتاحة، بما يكفل الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستفيدين".
أي سيناريوهات محتملة إذا استمر نقص التمويل؟
من التوسّع إلى العمل وفق التمويل المتاح: هذا هو البديل. يؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "التزامه الثابت بدعم لبنان"، ويقول شرايده: "ليس هناك أيّ توجّه للانسحاب من لبنان، حيث دأب البرنامج على خدمة لبنان طوال عقود وسط ظروف بالغة التعقيد. ومثل حال بقيّة الجهات الفاعلة في مجال التنمية، فإن العمليات التشغيلية ترتبط بالظروف الراهنة وبحجم الموارد المتاحة. ينطبق هذا الالتزام على كل وكالات الأمم المتحدة في لبنان. وفي حال استمرار فجوات التمويل، فإن السيناريو الأرجح هو إعطاء الأولوية للأنشطة بما يتناسب مع التمويل المتاح بدلاً من التوسع".
• كنتيجة مباشرة للأزمة المالية في الأمم المتحدة، اضطرّت "اليونيفيل" إلى خفض نحو 25 % من عدد أفرادها.
• الـUNDP يعيد ترتيب الأولويات للتركيز على المناطق والقطاعات الأكثر إلحاحاً، بما يتناسب مع التمويل المتاح بدلاً من التوسّع.