تقرير يسلط الضوء على انتهاكات طالت المهاجرين قبل وبعد دخول سبتة ويوصي بالتحقيق وضمان عدم تكرار

سلط تقرير ميداني أعدته العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان الضوء على ما صاحب عمليات الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة، من مآسي وانتهاكات، وآثار سلبية على الاقتصاد المحلي، وعلى الممتلكات، وأعاد تركيب الأحداث منذ التجمع بباب سبتة إلى غاية رجوع المهاجرين، وما تخلل الحدثين من عنف وعنصرية وانتهاك للحقوق.

وقالت العصبة في تقريرها إن الأحداث عرفت انتهاك الحقوق الدستورية، وعلى رأسها الحق في الحياة، والحق في السلامة الجسدية، وحماية الأطفال والنساء، وواجب حماية الأشخاص الموجودين في وضعية هشاشة، وضمان الحق في العلاج، كما عكست ضعف تمتع المواطنين بحقوق أخرى كالحماية الاجتماعية والتعليم، والشغل، والسكن اللائق، والعيش في بيئة سليمة.

 

احتقان ودوافع اقتصادية

وسجل التقرير أن مدينة الفنيدق ومحيطها عرف حالة من التوتر والاحتقان بعد توافد أعداد كبيرة من الأشخاص من مختلف الجهات، أغلبهم من فئة الشباب، إلى جانب وجود نساء وأطفال، بمن فيهم الرضع، ضمن جموع المرشحين للهجرة غير النظامية، في ظروف إنسانية صعبة.

ونقل التقرير شهادات ميدانية للشباب، تبين أن الدوافع الأساسية لمحاولة الهجرة غير النظامية ترتبط بتفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل اللائق والخدمات الأساسية، إلى جانب شعور متزايد بفقدان الأمل في تحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي داخل البلاد.

وأبرز التقرير أن الأحداث كانت لها نتائج عكسية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية بمدينة الفنيدق، وتضررت أنشطة العديد من التجار والمهنيين الذين اضطروا إلى الإغلاق إلى حين زوال يوم السبت، مع تضرر السير العام للمرافق العمومية.

إصابات ووفيات على الطريق

وأكد مشاركون في الأحداث تسجيل حالات وفاة وإصابات خلال محاولات العبور أو في محيط المنطقة الحدودية، وعاينت العصبة آثار تخريب وإحراق طالت عددا من المركبات الخاصة، وتسجيل أعمال عنف ورشق بالحجارة وإلحاق أضرار بممتلكات عامة وخاصة، فضلا عن توقيف عدد من الأشخاص وإحالتهم على الجهات القضائية المختصة. ناهيك عن ترحيل شباب إلى مدن أخرى، في أزيد من 50 حافلة.

وأكد التقرير رصد حالات وفيات في المستشفيات المغربية التي استقبلت أيضا ما يناهز 400 مصاب، فضلا عن احتراق 9 سيارات خاصة تعود لمواطنين وسيارة تابعة للأمن الوطني، وسيارتي أجرة، إضافة إلى احتراق أو إتلاف 17 دراجة نارية كانت متوقفة بمحيط المعبر الحدودي.

وفي مدينة سبتة، أكدت العصبة استمرار حالة من التوتر والاحتقان، حيث تنتشر قوات الشرطة والجيش في الشوارع، بينما لم يتبق سوى عدد محدود من المهاجرين داخل المدينة، إلى غاية أمس الأحد. ونقل التقرير شهادات تؤكد تعرض عدد من العابرين إلى سبتة المحتلة، للعنف والاعتداءات الجسدية واللفظية العنصرية من طرف مواطنين إسبان.

مقاربة أمنية للأحداث

واشتكى عائدون من سبتة لبعثة المهمة الاستطلاعية استعمال العنف في حقهم من طرف بعض عناصر قوات التدخل، ما هدد السلامة الجسدية، إلى جانب وجود مقاطع توثق هذا العنف، على رأسها مقطع مصور لأحد أفراد القوات المستعدة يرمي شابا بصخور.

وحسب التقرير، فإن المشهد الميداني يبرز أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت أهميتها في حفظ النظام العام، تظل غير كافية لمعالجة الأسباب البنيوية المنتجة لهذه الظاهرة، والتي ترتبط بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها الحق في الشغل، والعيش الكريم، والصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية.

وأكدت العصبة أن الهجرة غير النظامية في جوهرها قضية حقوق إنسان وتنمية وعدالة اجتماعية، وأن التصدي لأعمال التخريب والعنف ينبغي أن يتم في إطار احترام ضمانات المحاكمة العادلة، وافتراض البراءة، والفردية في المسؤولية الجنائية، وعدم التوسع في المتابعات أو ربط المسؤولية الجنائية بجماعة أو فئة اجتماعية بأكملها.

التحقيق وعدم تكرار الانتهاكات

وأوصى التقرير بفتح تحقيق قضائي مستقل ومحايد وفعال في جميع الوفيات والإصابات وحالات الاختفاء والادعاءات المتعلقة باستعمال القوة أثناء هذه الأحداث، مع تحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية المترتبة عنها. إلى جانب الإعلان عن حصيلة رسمية ومفصلة تتضمن أعداد الوفيات والمفقودين، والمصابين والموقوفين، والخسائر المادية، مع نشر أسماء الضحايا بعد إشعار أسرهم واحترام مقتضيات حماية المعطيات الشخصية.

وطالبت العصبة بتمكين أسر الضحايا والمصابين من الحق في الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر، مع الالتزام الصارم بحماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية أثناء عمليات إنفاذ القانون، واحترام مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب في استعمال القوة. وإجراء تقييم مستقل للتدخلات الأمنية التي رافقت هذه الأحداث، واستخلاص الدروس الكفيلة بمنع تكرار أي انتهاكات محتملة مستقبلا.

وشدد التقرير على ضرورة ضمان حماية خاصة للأطفال والنساء والأشخاص في وضعية هشاشة. وضمان احترام جميع الضمانات القانونية للموقوفين، بما في ذلك الحق في الدفاع، وافتراض البراءة والمحاكمة العادلة، وعدم إخضاع أي شخص لسوء المعاملة أو المعاملة المهينة.

تعويض المتضررين ودعم الاقتصاد المحلي

كما دعا إلى تعويض المتضررين من الخسائر المادية، ووضع خطة استعجالية لدعم الاقتصاد المحلي، وإطلاق برامج استعجالية للتشغيل والإدماج الاقتصادي للشباب. واعتماد استراتيجية وطنية متعددة الأبعاد لمعالجة الهجرة غير النظامية، تقوم على معالجة أسبابها البنيوية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بدل الاقتصار على المقاربة الأمنية.

ودعا التقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى القيام بمهمة تقصي مستقلة، وإعداد تقرير عمومي حول هذه الأحداث، إلى جانب دعوته رئاسة النيابة العامة إلى مواكبة التحقيقات الجارية، وضمان فعاليتها واستقلاليتها وسرعتها، وتمكين الرأي العام من المعطيات، مع حث البرلمان على فتح نقاش مؤسساتي حول تنامي ظاهرة الهجرة غير النظامية، وتقييم السياسات العمومية.

وطالبت العصبة السلطات الإسبانية بفتح تحقيق في جميع الادعاءات المتعلقة بالعنف والعنصرية، وتوفير الحماية القانونية للضحايا.

وشددت على أن تفادي تكرار مثل هذه المآسي يقتضي الانتقال من التدبير الظرفي للأزمات، إلى سياسات عمومية قائمة على احترام حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المجالية، والحكامة.

اقرأ المقال كاملاً على لكم