تقرير: قصور تشريعي واختلالات مالية وتقنية تحول دون بلوغ رهان تعميم الحماية الاجتماعية

سجل تقرير صادر عن المعهد المغربي لتحليل السياسات تحقيق مكاسب مهمة في مسار إعادة هيكلة منظومة الحماية الاجتماعية؛ بوصول نسبة التغطية الصحية إلى 88% من مجموع المواطنين، وبتمكين ما يقارب 4 ملايين أسرة من تحويلات مالية مباشرة يراهن عليها في تعزيز صمود الفئات الهشة أمام الأزمات، فضلا عن تضاعف ميزانية قطاع الصحة.

وفي المقابل، أكد التقرير أن هناك مخاطر جمة قد تعصف بمكاسب برنامج الحماية الاجتماعية، أمام تراكم الإشكالات التي تحد من فعلية التمتع بخدمات التغطية الصحية والتعويضات العائلية، وهي إكراهات لا تقتصر على الجوانب التدبيرية فحسب، بل تجد أصولها في قصور التشريعات وفي اختلالات الهندسة المالية والتقنية.

 

هوة بين المنجزات والرهانات

وأشار التقرير إلى أنه مقابل الأرقام الرسمية حول اتساع الوعاء المالي والديموغرافي لنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، ولنظام الدعم الاجتماعي المباشر، ثمة مؤشرات موازية توحي باتساع الهوة بين الرهانات والمنجزات؛ ليس فقط على مستوى احترام الأجندة الزمنية لتعميم وتوسيع البرامج الأربعة للحماية الاجتماعية، بل أيضاً بخصوص فعلية التمتع بحقوق الضمان الاجتماعي والتعويضات العائلية، والمنظور الضيق في إعادة تهيئة شروط الاستفادة من نظام المعاشات الخاصة بغير المأجورين، ومن نظام التعويض عن فقدان الشغل، وهو ما يطرح عدة تساؤلات حول أسباب تعثر ورش خُصصت له كافة الضمانات والإمكانات، وكان مراهنا عليه في القضاء على فجوات الحماية الاجتماعية.

وأضاف المصدر ذاته أنه بالنسبة لنظام التأمين عن المرض الخاص بغير الأجراء، فقد انتقل عدد المسجلين من 3.68 ملايين شخص في بداية سنة 2023 إلى 3.85 ملايين في أكتوبر 2024، قبل أن يصل في سبتمبر 2025 إلى 4.28 ملايين مستفيد، بما فيهم المؤمنون الرئيسيون وذوو الحقوق. ولكن على الرغم من ذلك، فإن نطاق تأمين هذه الفئة لا يزال محدودا ومتذبذبا، حيث لم يتجاوز معدل تحصيل الاشتراكات 46%.

وفيما يخص نظام التأمين عن المرض للأشخاص القادرين الذين لا يزاولون أي نشاط مأجور أو غير مأجور (AMO CHAMIL)، فقد اتسم مساره بتباطؤ ملحوظ؛ إذ ظل عدد المسجلين به خلال الأشهر الستة الأولى في حدود 20 ألفا، قبل أن يشهد إيقاع الانخراط بعض التسارع ليصل في سبتمبر 2025 إلى 344 ألف شخص، منهم نحو 235 ألف مؤمن رئيسي و109 آلاف من ذوي الحقوق. غير أن هذا التطور لا يعكس بأي حال فعلية التمتع بخدمات التغطية الصحية بسبب معضلة “الحقوق المغلقة”.

وأكد التقرير أنه باستثناء التغطية الصحية والتعويضات العائلية، لم تُفعل بعد باقي مكونات الإصلاح، خلاقا للمادة 17 من القانون الإطار رقم 09.21 التي حددت سنة 2025 كسقف زمني لإنجاز البرامج الأربعة لورش تعميم الحماية الاجتماعية. وهكذا، فإن نظام المعاشات الخاص بالأشخاص غير الأجراء الذين يزاولون نشاطا خاصا لا يزال في طور التدابير التحضيرية، بإصدار النصوص التنظيمية، وإعداد دراسات اكتوارية لتحديد شروط التفعيل وضمانات الاستدامة المالية.

حصيلة ضعيفة وإقصاء تقني

وأوضح التقرير أن الأمر يتكرر مع نظام التعويض عن فقدان الشغل، حيث لم تكتمل بعد العمليات المرتبطة بتحديد سيناريوهات التنفيذ، وبالتهيئة التشريعية والتنظيمية لتيسير شروط وكيفيات الاستفادة في ضوء الدروس المستفادة من التجربة السابقة؛ فبسبب ثقل التعقيدات المسطرية يظل عدد المستفيدين بشكل سنوي في حدود 36 ألف أجير على أبعد تقدير.

واعتبر المعهد أن النتائج المحققة لم تمكن من بلوغ رهانات تعميم الحماية الاجتماعية، إذ على الرغم من اتساع وعاء منظومة التأمين الأساسي عن المرض مقارنة بالمرحلة السابقة، فإن الحصيلة تظل بعيدة عن تنفيذ أجندة القانون الإطار، الذي حدد نهاية 2025 كمدى زمني نهائي لشمل الجميع بالتغطية الصحية، حيث تظل النسبة في أعلى تقدير أقل من 90%.

ولفت إلى أن العديد من المشمولين بنظام “أمو الشامل” يتلكؤون في تسديد الاشتراكات، خاصة أن 92% من الأشخاص غير الأجراء الملزمين بأداء واجبات الاشتراك، بالكاد يتجاوز معدل تنقيطهم عتبة التغطية الصحية التضامنية (بين 9.32 و9.51)؛ مما يعني أنهم ينتمون من الناحية الفعلية إلى فئات هشة لا تسعفها قدراتها المالية على المساهمة في نظام التأمين الصحي، ولكن المعالجة الرقمية الموجهة بمعطيات السجل الاجتماعي الموحد أزاحتهم من آلية التضامن إلى آلية الاشتراك.

وشدد التقرير على أن قطاعات واسعة من المعنيين بنظامي “أمو الأجراء” و”أمو الشامل” غير مدرجة بعد بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهو ما يشكل معاكسة لخيار التعميم، وحرمانا من الحق في الصحة، نتيجة فرض أقساط اشتراك لا تراعي دخولها الضعيفة أو غير المستقرة.

فجوة جندرية ومعضلة “الحقوق المغلقة”

وتطرق التقرير أيضا إلى الفجوة الجندرية التي تحرم فئات من النساء من الحق في التغطية الصحية نتيجة ظروف اقتصادية، مثل العاملات في وظائف غير رسمية لا توفر أي تغطية اجتماعية كالمجال الزراعي، أو جراء التغيرات الأسرية كالمطلقات وربات الأسر اللواتي يجدن أنفسهن في وضعية حقوق مغلقة بعد مرور سنة على طلاقهن، والأرامل غير المستفيدات من معاش الزوج المتوفى بعد سنتين على الوفاة، حيث غالبا ما يتم إدراجهن ضمن التأمين المساهماتي مع عجزهن عن تسديد واجبات الاشتراك.

وفي بعض الأحيان يأخذ الأمر بعدا مأساويا كإقصاء نساء فقيرات يقطنن بمفردهن من نظام “أمو تضامن” لتجاوزهن المؤشر الموجه بعامل العدد، الأمر الذي يسائل عدالة المتغيرات المعتمدة، ويطرح على المحك تحدي أنسنة منهجية الاستهداف وإعادة تصميمها وفق نهج قائم على الحقوق.

وطرح المعهد إشكالية معاناة فئات اجتماعية أخرى من الإقصاء المنهجي من نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، من ضمنها حوالي مليوني مساعد عائلي، إضافة إلى أكثر من مليون شخص يرتبطون بعقود تأمين مع شركات خاصة وتعاضديات وصناديق داخلية؛ ففي المحصلة لا يزال حوالي 8.5 ملايين شخص غير مشمولين بنظام التغطية الصحية الإجبارية على الرغم من انتمائهم إلى أسر هشة لا تملك القدرة على أداء واجبات الاشتراك بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

وأبرز التقرير أن هناك حواجز عدة تعيق التعميم الفعلي للتغطية الصحية، على اعتبار أن أعدادا كبيرة من المسجلين غير قادرين من الناحية العملية على الاستفادة من سلة الخدمات المتاحة؛ فحوالي 3.5 ملايين شخص مسجل بمختلف أنظمة التأمين الإجباري يوجدون في وضعية “الحقوق المغلقة”، بسبب عدم كفاية مدة التصريح أو عدم أداء الاشتراكات نتيجة عوامل مختلفة. وتنسحب هذه الوضعية على حوالي 43% من منتسبي “أمو شامل”، و65% من المسجلين برسم نظام “أمو غير الأجراء”، وهي نسبة تتجاوز بكثير أجراء القطاع الخاص وموظفي القطاع العام.

وسجل أن اتساع نطاق الحقوق المغلقة بهذين النظامين ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو تعبير عن هندسة سياسية لم تراعِ الشروط السوسيولوجية لتعميم الحماية الاجتماعية، وكأن الأمر يتعلق بمجرد توفير تغطية صحية اسمية عبر إجراءات ميكانيكية لبلوغ السقف المحدد، بدل الحرص على إقامة “تغطية صحية فعلية”.

وانتقد التقرير تبعات غياب سياسة صحية متماسكة على جودة خدمات التغطية الصحية أمام تفاقم المؤشرات ذات الصلة؛ إذ إن مؤشر الكثافة الطبية ظل -في أحسن التقديرات- في حدود 8 أطباء لكل 10 آلاف مواطن، عوض 17 طبيبا كمتوسط عالمي. أما مؤشر السعة السريرية للمؤسسات الاستشفائية، فلا يتجاوز 10.8 أسرة لكل 10 آلاف نسمة، مقابل 20 سريرا كحد أدنى موصى به من قبل منظمة الصحة العالمية، ناهيك عن الإشكالات التي تعتري تعبئة وإتاحة وصيانة التجهيزات والمعدات الطبية وتدبير المواعيد، وما يتبع ذلك من تباعد آجال الاستفادة من فرص التشخيص والاستشفاء.

اقرأ المقال كاملاً على لكم