تقرير أممي: أمريكا تتجاوز المغرب في عدد الدول المبلغة عنها كمصدر لشحنات القنب المهرب منذ 2022
كشف تقرير المخدرات العالمي لسنة 2026، الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، أن المغرب لا يزال من بين أبرز المصادر التاريخية لراتنج القنب (الحشيش) المهرَّب إلى أوروبا، إلى جانب أفغانستان وهولندا، مع تسجيل تراجع نسبي في كثافة هذا التدفق خلال السنوات الأخيرة، مقابل ارتفاع ملحوظ في قوة المنتج، ممثلة في نسبة مادة THC خلال أواخر العقد الثاني من الألفية الثالثة.
ويعد التقرير المرجع الدولي الأبرز لرصد اتجاهات إنتاج المخدرات وتهريبها واستهلاكها وانعكاساتها على الصحة والأمن والمجتمعات، ويستند إلى بيانات الدول الأعضاء وتحليلات المكتب الأممي.
وبحسب التقرير، سجلت كميات راتنج القنب المضبوطة عالميا خلال سنة 2024 أدنى مستوياتها منذ سنة 2011، فيما تركزت الضبطيات أساسا في أوروبا الغربية والوسطى وشمال أفريقيا وجنوب غرب آسيا.
كما رصد التقرير تراجعا نسبيا في تدفقات التهريب الدولية القادمة من المصادر التقليدية الكبرى، وفي مقدمتها أفغانستان والمغرب وهولندا، إذ بلغت نسبة التقارير التي تشير إلى تهريب القنب من دولة تنتمي إلى الإقليم الفرعي نفسه للدولة المستقبلة أدنى مستوى مسجل منذ بدء الرصد.
يكشف الرسم البياني الذي يعرضه التقرير حول الدول الأكثر ذكرا كمصدر للقنب المهرَّب عبر الأقاليم خلال الفترة الممتدة بين 2010 و2024 أن المغرب من بين الدول الأكثر ذكرا في هذه اللائحة، التي تضم أيضا أفغانستان وكندا والهند وهولندا وتايلاند والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، إذ يظهر كأحد أكثر الدول التي تكرر ذكرها من قبل السلطات المعنية بمكافحة المخدرات حول العالم بوصفه بلد منشأ لشحنات القنب المضبوطة.
ويوضح الرسم أن عدد الدول التي أبلغت عن المغرب كمصدر لشحنات القنب المهرَّبة بلغ ذروته في السنوات الممتدة بين 2016 و2018، حين اقترب من 14 إلى 16 دولة مبلِّغة في السنة الواحدة تقريبا، بحسب القراءة التقريبية لارتفاع الأعمدة في الرسم البياني، وهو مستوى ظل لسنوات طويلة من أعلى المستويات المسجلة ضمن العينة المعروضة في الرسم البياني.
أوروبا الأكثر إبلاغا عن المغرب
كما تشير البيانات إلى أن الغالبية الساحقة من الدول التي أبلغت عن المغرب كمصدر لهذا التهريب هي دول أوروبية، إذ يظهر اللون الممثل لقارة أوروبا مهيمنا بشكل واضح على أعمدة المغرب طيلة سنوات الرصد، مقابل حضور محدود جدا لدول من قارات أخرى مثل أفريقيا أو آسيا أو الأمريكتين ضمن الدول المبلِّغة عن المغرب تحديدا.
في المقابل، يُظهر الرسم البياني اتجاها تصاعديا لافتا في السنوات الأخيرة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، إذ قفز عدد الدول المبلِّغة عن الولايات المتحدة تحديدا بشكل حاد بداية من سنة 2022، ليتجاوز في السنوات الأخيرة (2022-2024) مستويات الذروة التي سجلها المغرب سابقا، ليصبح بذلك الدولة الأكثر ذكرا كمصدر للقنب المهرَّب في السنوات الأخيرة من فترة الرصد.
ويشير هذا الاتجاه إلى الأهمية المتنامية لأمريكا الشمالية كمصدر جديد للتهريب الدولي للقنب، في وقت تراجعت فيه وتيرة الإشارة إلى المغرب في السنوات الأخيرة مقارنة بذروته السابقة بين 2016 و2018، من دون أن يفقد موقعه كأحد أبرز مصادر هذا المنتج المهرَّب نحو أوروبا على مدى العقد ونصف العقد الماضيين.
وأبرز التقرير تنامي حضور دول أمريكا الشمالية كمصدر للمنتج المهرّب، حيث ورد ذكر هذه الدول من قبل 57 دولة أو إقليما بين سنتي 2015 و2024، مقارنة بـ11 دولة أو إقليما فقط خلال الفترة الممتدة بين 2005 و2014، بما يعكس اتساع دور أمريكا الشمالية في شبكات التهريب الدولية.
وفيما يتعلق بخصائص المنتج، يوضح التقرير أن راتنج القنب المغربي شهد ارتفاعا في نسبة مادة THC خلال أواخر العقد الثاني من الألفية الثالثة، في سياق عالمي اتسم بزيادة مماثلة في قوة منتجات القنب داخل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مقابل تراجع نسب مادة CBD.
ويرجع التقرير هذا التطور إلى الانتقاء الجيني لأصناف أكثر قوة، واعتماد ممارسات زراعية مثل إزالة النباتات الذكرية أو استخدام البذور المؤنثة لمنع التلقيح، فضلا عن انتشار الزراعة الداخلية التي توفر تحكما أكبر في ظروف الإنتاج من حيث الإضاءة ودرجة الحرارة والرطوبة والمغذيات.
ويشير التقرير إلى أن هولندا كانت من أوائل الدول الأوروبية التي شهدت ارتفاعا واضحا في قوة منتجات القنب المباعة داخل “مقاهي القنب” منذ مطلع الألفية، ولا سيما المنتجات المحلية، بينما ظل راتنج القنب المستورد، ومنه القادم من المغرب، أقل قوة في البداية قبل أن يسجل بدوره ارتفاعا ملحوظا في نسبة THC خلال أواخر العقد الثاني من الألفية.
جدار أمني إسباني
كما يلفت التقرير إلى أن السلطات الإسبانية شددت منذ سنة 2018 إجراءاتها الأمنية للحد من تدفق راتنج القنب القادم من المغرب، بالتزامن مع تنامي الإنتاج الداخلي للقنب في أوروبا وتكيف شبكات التهريب مع هذه المتغيرات عبر تعديل مسارات النقل البحري حول مضيق جبل طارق.
وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن هذه العوامل أسهمت في إعادة تشكيل جانب من سلاسل الإمداد غير المشروعة للقنب في المنطقة، في وقت تتجه فيه أسواق المخدرات إلى مزيد من التنوع والتكيف مع المتغيرات القانونية واللوجستية.
كما سجل التقرير مؤشرات على وجود استخدام لعقار “الكبتاغون” في بعض دول شمال أفريقيا، رغم أن أسواقه الرئيسية لا تزال متركزة في شبه الجزيرة العربية.
وربط التقرير هذه التطورات بالمتغيرات التي شهدتها سوريا أواخر سنة 2024، موضحا أن التغيير السياسي هناك، وما أعقبه من تفكيك 16 مختبرا صناعيا و15 منشأة لتخزين الكبتاغون، أدى إلى اضطراب كبير في سلسلة إنتاج هذا العقار.
ونتيجة لذلك، بدأت بعض الشبكات الإجرامية، بحسب التقرير، في البحث عن مواقع تصنيع بديلة، مع وجود مؤشرات على انتقال جزء من أنشطة التصنيع إلى دول في شمال أفريقيا وغربها ووسطها وجنوبها.
كما يرصد التقرير تزايد ضبطيات عقار “بريغابالين” القادم من جنوب آسيا في دول شمال أفريقيا والشرق الأدنى والأوسط، إلى جانب استمرار تهريب “الترامادول” داخل المنطقة.
وعلى المستوى القاري، يوضح التقرير أن أفريقيا أصبحت تستحوذ على أكثر من نصف كميات القنب العشبي المضبوطة عالميا، بعدما كان ارتفاع الضبطيات في القارة العامل الرئيسي وراء زيادة الكميات العالمية منذ أدنى مستوى سجل سنة 2019، رغم استمرار تراجع الضبطيات في أمريكا الشمالية بين سنتي 2011 و2024.
ويؤكد التقرير أن القنب لا يزال المخدر الأكثر انتشارا في العالم، إذ يمثل أكثر من نصف عمليات ضبط المخدرات المسجلة عالميا خلال سنة 2024، كما يرتبط بنحو 40 بالمائة من حالات اضطرابات تعاطي المخدرات المسجلة خلال سنة 2023.
وتشير تقديرات التقرير إلى أن نحو 331 مليون شخص تعاطوا المخدرات خلال سنة 2024، بزيادة بلغت 34 بالمائة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات، وهي زيادة تعكس النمو السكاني وتحسن آليات جمع البيانات، لكنها تدل أيضا على ارتفاع فعلي في معدل انتشار تعاطي المخدرات على المستوى العالمي.
ويقدر التقرير عدد متعاطي القنب بنحو 256 مليون شخص سنة 2024، بزيادة بلغت 40 بالمائة خلال العقد الأخير، فيما ارتفعت نسبة انتشار تعاطيه بين السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و64 سنة من 3.8 بالمائة سنة 2014 إلى 4.8 بالمائة سنة 2024. وتظل أمريكا الشمالية المنطقة الأعلى من حيث معدلات الاستهلاك، بنسبة انتشار تبلغ 20.5 بالمائة ضمن الفئة العمرية نفسها.
وفي الجانب الصحي، يكشف التقرير أن قرابة نصف مليون شخص توفوا بسبب تعاطي المخدرات خلال سنة 2023، بزيادة قدرها 29 بالمائة مقارنة بعشر سنوات مضت، معتبرا أن مشكلة المخدرات لا تزال تمثل، في جوهرها، قضية إنسانية ذات آثار عميقة على الأفراد والأسر والمجتمعات.
ويرى التقرير أن أسواق المخدرات أصبحت أكثر تعقيدا بفعل التطور التكنولوجي، وعدم الاستقرار الجيوسياسي، وتغير أنماط الطلب، في وقت يواصل فيه إنتاج بعض المخدرات، وعلى رأسها الكوكايين، تسجيل مستويات قياسية، بينما ظلت زراعة الأفيون في أفغانستان عند مستويات منخفضة تاريخيا، ما أدى إلى تغيير ديناميكيات الإمداد العالمي بالهيروين، مع تنامي المخاوف من حلول البدائل الاصطناعية محل الهيروين الأفغاني في أسواق الاستهلاك.