تقرير "أطباء بلا حدود": إلى أيّ بيوت تعود العائلات المهجرة في لبنان؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

 

أصدرت "أطباء بلا حدود" تقريرها عن تداعيات الحرب الإسرائيلية الأخيرة في لبنان، راصدة جوانب من المعاناة الإنسانية والجهود التي تبذلها المنظمة لدعم العائلات النازحة وخصوصاً في مجال الحصول على الرعاية الصحية.

 

وهنا نص التقرير:

 

بعد أشهر على تصعيد الحرب في لبنان، بدأ مئات آلاف الأشخاص بالعودة إلى جنوب لبنان، وسهل البقاع وضاحية بيروت الجنوبية. يعود السكان إلى بيوتهم وقراهم التي أُحيلت إلى أنقاض، فضلاً عن الأضرار البالغة التي طالت المرافق الصحية والخدمات الأساسية. وعلى رغم إقرار وقف إطلاق النار عدة مرات، تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك الغارات بالمسيّرات، والقصف والنسف، في أجزاء من جنوب لبنان، ما جعل السكان عالقين بين خيار العودة إلى ديارهم والعيش في ظل انعدام مستمر للأمن. لذلك تكثّف "أطباء بلا حدود" أنشطتها لضمان حصول السكان على الرعاية الصحية.

يقول منسق برامج "أطباء بلا حدود" في لبنان جيريمي ريستور: "نحن نكيّف أنشطتنا المتنقلة في المناطق الأشد تضرراً بما يتماشى مع تحركات السكان، فمنهم من عاد إلى القرى والبلدات الأصلية ومنهم من انتقل من مكان نزوح إلى آخر. وتعود بعض العائلات إلى بيوتها المتضررة، فيما يستمر تهجير عائلات أخرى، لكن الاحتياجات الإنسانية والطبية لا تزال هائلة. ولا يمكن أن يتحقق التعافي ما دام السكان يخشون على سلامتهم".

 

 

عودة إلى قرى مدمّرة

 

في جميع أنحاء جنوب لبنان، يفكر السكان في العودة إلى بلداتهم التي أثقلتها الحرب دماراً على مدى أشهر. أما العائدون، فلم تبقَ بيوتهم كما كانت عندما خرجوا منها.

هُجّرت الفنانة لينا جوني من قريتها رومين في منطقة النبطية، ومعها والدتها وأختها أثناء القصف. تقول: "اضطررنا إلى المغادرة بسبب القصف الاسرائيلي، ولم تكن والدتي البالغة من العمر 79 عاماً قادرةً على الحركة أو الركض، وكان عليّ أن آخذها إلى مكان آمن".

عادت لينا إلى قريتها وتلقت الرعاية الصحية عبر العيادة المتنقلة التابعة لـ"أطباء بلا حدود"، لكنها تعيش مشاعر متناقضة. تقول: "شعرت عبر لقاء صديقاتي بأنني استعدت شيئاً من الحياة الطبيعية، وكنت في أمسّ الحاجة لذلك، لكنني أشعر بالألم الشديد إزاء الدمار الذي يحيط بنا. أحاول ألّا أفكر في الماضي. بعيد عودتي، جلستُ على سريري، ثم ذهبتُ إلى مشغلي لأرى أعمالي الفنية. لكنني لست قادرة على إنجاز أعمال جديدة".

وفيما عاد البعض مثل لينا، لا يزال الوصول مستحيلاً إلى بلدات كثيرة.

هُجّر عبد الله الخالد، البالغ من العمر 72 عاماً، من قرية عين عرب في منطقة مرجعيون، وأقام في مركز إيواء مشترك. تقع قريته بالقرب من نهر الوزّاني على طول الحدود الجنوبية الشرقية للبنان، وهي غير بعيدة، لكن الوصول إليها لا يزال مستحيلاً، فيما تستمر القوات الإسرائيلية باحتلالها.

وفيما كان يتلقى عبدالله العلاج في مستشفى النجدة الشعبية في النبطية، والذي تدعمه "أطباء بلا حدود"، تردد في الأجواء صدى الانفجارات الناجمة عن عمليات النسف التي تنفذها القوات الإسرائيلية في الجوار.

يقول عبدالله: "لدينا أرض وأشجار زيتون زرعناها واعتنينا بها وعشنا من خيراتها. والآن وفي آخر أيام عمري، عليّ أن أوضّب أمتعتي وأن أعيش في خيمة".

اشتدت الأضرار التي طالت عين عرب بفعل الحرب، شأنها شأن العديد من القرى الحدودية. عجز السكان عن العودة إليها بسبب الهجمات الإسرائيلية المستمرة، والوجود العسكري، وأوامر التهجير المتكررة، ما ترك العائلات مشردةً وفي حالة من عدم اليقين، تتساءل متى ستعود إلى الديار، أو حتى إن كانت العودة ممكنة. واليوم، لا يعلم عبدالله شيئاً عمّا تبقى من بيته.

وفي وقت سابق من الحرب، قُتل ابن أخ عبد الله البالغ من العمر 18 عاماً في غارة جوية إسرائيلية. ويضيف: "كل هذه الأمراض التي تصيبنا هي بفعل هذه الحرب".

بحسب "المنظمة الدولية للهجرة"، لا يزال هنالك نحو 500,000 شخص مهجّر في مختلف أنحاء لبنان حتى تاريخ الثاني من تموز/يوليو. ولا يستطيع كثر العودة بأمان بسبب استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، في حين لم يتبقَ للآخرين إلا أماكن قليلة يأوون إليها. وفي مختلف أنحاء جنوب لبنان وأجزاء من سهل البقاع، لا تزال قدرة السكان على إعادة بناء حياتهم محدودة، نتيجةً للدمار الواسع النطاق الذي لحق بالبيوت، ومرافق الرعاية الصحية، والطرق، والبنية التحتية الأساسية.

 

 

العودة ليست مكافئة للأمان

 

على رغم من تراجع أعداد المرضى من جرحى الحرب في المستشفيات، لا يزال هناك أشخاص يصابون جراء الغارات الإسرائيلية ومخلفات الحرب المتفجرة.

نزح شاب مع عائلته إلى مركز إيواء مشترك في الغازية، لكنه قرر أن يعود مع صديقه في زيارة سريعة إلى مسقط رأسيهما، بعدما اعتقدا أن وقف إطلاق النار لا يزال سارياً.

يقول: "لا أعتقد أنني سأنسى صوت الصاروخ. قُتل صديقي فوراً، وبقيت مستلقياً على الأرض أنزف لساعات. لم يتمكن أحد من الوصول إليّ بسبب القصف المدفعي والجوي".

نُقل الشاب في نهاية المطاف إلى مستشفى النجدة الشعبية في النبطية، حيث تلقى العلاج من إصابات متعددة. وبعد خروجه من المستشفى، عاد إلى مركز الإيواء المشترك حيث تقيم عائلته التي يستمر تهجيرها.

ويضيف: "بعد كل ما مررنا به، لا أعرف ما الذي سيحدث لاحقاً".

تواصل المستشفيات التي تدعمها "أطباء بلا حدود" علاج المصابين جراء الغارات الإسرائيلية، والأنقاض، ومخلفات الحرب المتفجرة. ومن بين هؤلاء صالح عبد العيسى، والذي أصيب أثناء إزالته للزجاج المكسور بفعل الحرب، بعدما نجا من أشهر من الغارات الجوية في النبطية.

 

 

 

 

 

مواكبة السكان في ظل ازدياد حاجاتهم

 

تواصل "أطباء بلا حدود" تكييف استجابتها لضمان حصول السكان على الرعاية الصحية الأساسية أينما كانوا. تنتشر العيادات المتنقلة في جنوب لبنان، وضاحية بيروت الجنوبية، وبعلبك-الهرمل، وشمال لبنان، والتي تقدم الرعاية الصحية الأولية، وخدمات الصحة النفسية، والرعاية الصحية الجنسية والإنجابية، وعلاج الأعراض المزمنة، والإحالات الطبية، بينما تواصل العيادات الثابتة في برج حمود والهرمل تقديم الرعاية الروتينية.

تواصل المنظمة دعم الرعاية التوليدية الطارئة ورعاية الأطفال حديثي الولادة في زحلة والبقاع الأوسط، فضلاً عن تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية الثانوية من خلال دعم المستشفيات في مختلف أنحاء البلاد. بالإضافة إلى ذلك، بدأت فرقها بإعادة تأهيل مراكز الرعاية الصحية الأولية، وتوزيع مواد الإغاثة، وتحديث سيارات الإسعاف، ودعم المستشفيات بالتبرعات الطبية والاستعداد لحالات الطوارئ، وتقديم الدعم النفسي للعاملين في مجال الرعاية الصحية الذين عانوا من أعباء نفسية جسيمة خلال فترة التصعيد.

علي عواركي هو رئيس فريق التمريض في قسم الطوارئ بمستشفى النجدة الشعبية في النبطية الذي تدعمه "أطباء بلا حدود"، وهو أحد العاملين الكثر في مجال الرعاية الصحية ممن واصلوا العمل طوال فترة الحرب.

يقول علي: "كانت مسؤوليتنا أن نبقى ونعتني بأهلنا. عشنا أصعب اللحظات عندما كنا نستقبل المرضى من المسعفين وزملائنا العاملين في مجال الرعاية الصحية، أو عندما كانوا يُقتلون في الغارات الإسرائيلية. لن أنسى تلك اللحظات أبداً".

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية