تقرير: 57% من المغاربة يستبعدون تأثير النفوذ السياسي على القضاة
تصدر المغرب البلدان الإفريقية المشمولة في أحدث دراسة صادرة عن شبكة “أفروبارومتر” بشأن الولوج إلى العدالة، بعدما أظهرت نتائج المسح أن 73 بالمائة من المغاربة يثقون في قدرة المواطنين العاديين على الحصول على العدالة عبر المحاكم، وهي النسبة الأعلى بين 38 دولة إفريقية شملها البحث المنجز خلال سنتي 2024 و2025.
وجات في المرتبة الثانية تنزانيا التي سجلت نسبة ثقة بـ 71 بالمائة متبوعة بمالاوي بـ67 بالمائة وتونس بـ65 بالمائة والسنغال بـ63 بالمائة، بينما كشف التقرير في المقابل عن استمرار تحديات واسعة في عدد كبير من الدول الإفريقية حيث لا يتجاوز متوسط الثقة القاري 50 بالمائة.
وأحتل المغرب كذلك المرتبة الأولى قارياً في ما يتعلق بتوقع الحصول على أحكام عادلة من المحاكم، إذ أكد 72 بالمائة من المغاربة أنهم يعتقدون أن بإمكانهم الحصول على تسوية عادلة إذا عرضت قضاياهم على القضاء، متقدماً على السنغال وتونس اللتين سجلتا معاً 67 بالمائة.
وفي جانب آخر من الدراسة، أظهر المغرب نتائج إيجابية بشأن سرعة البت في القضايا، حيث حل في المرتبة الثالثة قارياً بنسبة 58 بالمائة من المستجوبين الذين يعتقدون أن المحاكم قادرة على الفصل في القضايا خلال آجال معقولة، خلف السنغال التي سجلت 64 بالمائة وزامبيا بـ60 بالمائة، ومتقدماً على المتوسط الإفريقي الذي لم يتجاوز 43 بالمائة.
وفيما يتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، اعتبر 59 بالمائة من المغاربة أن المواطنين لا يتعرضون إلا نادراً أو لا يتعرضون إطلاقاً لمعاملة غير متساوية أمام القانون، ليأتي بذلك في المرتبة الثانية قارياً بعد تنزانيا التي سجلت 68 بالمائة، في وقت يرى 59 بالمائة من الأفارقة في المتوسط أن التمييز وعدم المساواة أمام القانون يحدثان بشكل متكرر أو دائم داخل بلدانهم، ما يشكل أحد أبرز العوائق أمام ترسيخ الثقة في المؤسسات القضائية.
وسجل المغرب كذلك أداءً لافتاً في مؤشر الثقة المباشرة بالمحاكم، حيث أظهر التقرير أن 73 بالمائة من المغاربة يثقون بالمحاكم “إلى حد ما” أو “كثيراً”، ليحل بذلك في المرتبة الثانية قارياً بعد تنزانيا التي سجلت 84 بالمائة، ومتقدماً على السنغال التي سجلت 66 بالمائة. ويأتي هذا المعطى في وقت كشف فيه التقرير عن تراجع الثقة بالمؤسسات القضائية في إفريقيا خلال العقد الأخير، إذ انخفض متوسط الثقة بالمحاكم في 30 دولة إفريقية من 59 بالمائة خلال الفترة ما بين 2011 و2013 إلى 49 بالمائة خلال الفترة ما بين 2022 و2023.
وفيما يتعلق باستقلالية القضاء، أوضح التقرير أن 57 بالمائة من المغاربة يعتقدون أن القضاة نادراً ما يصدرون أحكامهم تحت تأثير السياسيين أو المسؤولين الحكوميين أو أصحاب النفوذ. كما أشار التقرير إلى أن المتوسط الإفريقي في هذا المجال لا يتجاوز 41 بالمائة، بينما يعتقد 51 بالمائة من الأفارقة أن القضاة يتخذون قراراتهم في كثير من الأحيان تحت تأثير أصحاب النفوذ وليس استناداً إلى القانون.
وفي المقابل، أبرز التقرير أن بعض التحديات ما تزال مطروحة في المغرب رغم المؤشرات الإيجابية المسجلة. فقد أظهرت النتائج أن 60 بالمائة من المغاربة يعتقدون أنهم قادرون على العثور على المساعدة القانونية أو المشورة القانونية عند الحاجة، وهي نسبة تفوق المتوسط الإفريقي البالغ 53 بالمائة، غير أن الوعي بخدمات المساعدة القانونية المتاحة لا يتجاوز 29 بالمائة، ما يعني أن جزءاً مهماً من المواطنين لا يعرفون بوجود هذه الخدمات رغم إمكانية الاستفادة منها.
كما كشفت الدراسة أن الجوانب المالية ما تزال تشكل عائقاً أمام جزء من المواطنين المغاربة عند اللجوء إلى العدالة. فحسب النتائج، يرى 49 بالمائة من المغاربة أنهم قادرون على تحمل تكاليف الحصول على الاستشارات أو المساعدة القانونية، بينما تنخفض النسبة إلى 45 بالمائة بالنسبة للقدرة على تحمل مصاريف التقاضي أمام المحاكم. ورغم أن هذه الأرقام تفوق المتوسطات المسجلة في عدد من الدول الإفريقية، فإنها تعني في الوقت ذاته أن أكثر من نصف المواطنين لا يشعرون بقدرة مالية كافية لتغطية بعض التكاليف المرتبطة بالمساطر القضائية.
وتناول التقرير أيضاً تصورات المواطنين بشأن الإفلات من العقاب، حيث أظهرت النتائج أن 39 بالمائة من المغاربة يعتقدون أن المواطنين العاديين الذين يخرقون القانون يفلتون من العقاب بشكل متكرر أو دائم، في حين ترتفع هذه النسبة إلى 46 بالمائة عندما يتعلق الأمر بالمسؤولين أو أصحاب النفوذ الذين يرتكبون جرائم. ورغم وجود فارق بين الفئتين، فإن المغرب سجل واحداً من أدنى المستويات القارية في هذا المؤشر مقارنة بدول أخرى أبدى مواطنوها قناعة أكبر بوجود إفلات واسع للمسؤولين من العقاب.
وأكدت الدراسة أن العلاقة بين الثقة في العدالة ونزاهة القضاء علاقة وثيقة للغاية، إذ تبين أن البلدان التي ترتفع فيها مستويات الثقة بالمحاكم هي نفسها البلدان التي تسجل مستويات أفضل فيما يتعلق بالمساواة أمام القانون واستقلالية القضاة ومحدودية الفساد داخل المؤسسات القضائية. كما أظهرت النتائج أن القدرة المالية على الولوج إلى العدالة لا تؤثر بالضرورة على الاعتقاد بإمكانية الحصول على أحكام عادلة، لكنها تؤثر على قرار اللجوء إلى المحاكم من الأصل.
وعلى المستوى القاري، رسم التقرير صورة مركبة لواقع العدالة في إفريقيا، حيث أشار إلى أن الأنظمة القضائية الرسمية وغير الرسمية ما تزال تتعايش جنباً إلى جنب. فبينما يلجأ 41 بالمائة من الأفارقة إلى الشرطة باعتبارها أول جهة لمعالجة النزاعات القانونية، يتوجه 22 بالمائة إلى الزعماء التقليديين أو المحاكم العرفية، بينما يعتمد آخرون على شيوخ القبائل أو الزعماء الدينيين أو أفراد الأسرة. وترتفع نسبة الاعتماد على الآليات التقليدية في الأوساط القروية وبين الفئات الأقل تعليماً والأكثر فقراً.
وأشار التقرير إلى أن الفوارق الاقتصادية تشكل العامل الأكثر تأثيراً في فرص الوصول إلى العدالة، إذ أعرب 61 بالمائة من المواطنين الأفارقة الأكثر ثراء عن ثقتهم في إمكانية الحصول على العدالة، مقابل 43 بالمائة فقط لدى الفئات الأكثر فقراً. كما أظهرت النتائج أن المواطنين ذوي الدخل المحدود أقل ثقة في نزاهة القضاء وأكثر ميلاً للاعتقاد بوجود معاملة غير متساوية أمام القانون.