تقارب الرباط ونواكشوط يقلق الجزائر
لم يكن قرار مالي الأخير سحب الاعتراف بالجمهورية الوهمية في تندوف، والانتصار للوحدة الترابية للمملكة المغربية، ليمر دون أن يفتح شهية الذباب الإلكتروني الجزائري، الذي لم يكتف بالهجوم على السلطات في باماكو بسبب هذا الموقف، بل انطلق في حملة منظمة تحمل عددًا من التأويلات والتفسيرات التي اختلطت فيها الحقائق بالادعاءات، وتستهدف العلاقات بين موريتانيا والمغرب و”تجييش” الموريتانيين ضد محور “الرباط – باماكو”.
واستغلت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ما قُدّم في البداية على أنه حادث دخول قوات مالية إلى “قرى موريتانية” على الحدود، الذي جاء ساعات بعد الموقف الجديد لباماكو من قضية الصحراء المغربية، من أجل محاولة جر المغرب إلى معادلة لا وجود لها على الأرض، وإطلاق قراءات متعسفة، كأن من يكتبها ينظر إلى خريطة غير التي رسمتها الجغرافيا، من قبيل وصف المغرب ومالي بـ”النظامين التوسعيين”، والتلميح إلى محاولة الرباط تحريض باماكو على نواكشوط بملف الأمن والحدود للضغط عليها بسبب موقفها من النزاع حول الصحراء.
هذا الخطاب الذي تمت محاولة تغذيته بسرديات تاريخية معينة دعمته حسابات موريتانية هي الأخرى، لكنه سرعان ما اصطدم بتناقضاته الداخلية، إذ خرج الجيش الوطني الموريتاني ببيان توضيحي أكد من خلاله أن “القرى التي دخلتها دوريات من القوات المالية تقع بالكامل داخل التراب المالي، وفقًا للخرائط المعتمدة”، داعيًا “كافة الناشرين إلى تحري الدقة والمسؤولية في نقل الأخبار، وتجنب التهويل ونشر معلومات غير دقيقة قد تثير البلبلة”.
أهداف وأجندة الحسابات التي انخرطت في هذا التوظيف الانتقائي للأحداث انكشفت بعدما حاولت تحذير الموريتانيين من التحالف بين المغرب ومالي، مقابل إضفاء طابع القداسة السياسية على العلاقات بين موريتانيا والجزائر، وتوجيه الإدراك العام نحو سردية تُمجد العلاقات مع هذه الأخيرة، وتقدمها باعتبارها الإطار الوحيد الضامن للاستقرار، مقابل التشكيك في أي تفاعلات إقليمية أخرى.
في سياق متصل، وفي أعقاب إعلان مالي سحب اعترافها بالبوليساريو، شنت صفحات ووسائل إعلام محسوبة على النظام الجزائري وتدافع عن أطروحته في عدد من الملفات حملة تستهدف السلطات المالية بقيادة الجنرال أسيمي غويتا، وطرحت روايات تتحدث عن “مقايضات سياسية” و”ضغوط غير معلنة”، بل وظهرت في بعض التحليلات إشارات إلى مزاعم تتعلق بـ”تأثيرات مالية” أو “مصالح غير شفافة” قيل إنها رافقت هذا التحول في الموقف السيادي، الذي يحاول دعاة الطرح الانفصالي في الصحراء تفسيره عبر عدسة الشك والاتهام.
هذه “الرسائل المسمومة” التي لبست ثوب التحليل في مواكبة التحول في موقف باماكو إن دلت على شيء فإنما تدل على أن أخطر ما في العصر الرقمي ليس فقط سرعة انتشار المعلومة، بل قابلية الجمهور لتصديقها قبل التثبت منها، بل وحتى الترويج لها؛ وهنا يصبح الوعي الإعلامي خط الدفاع الأول في مواجهة موجات التضليل ومعارك السرديات التي قد تُستغل لتأجيج التوترات أو إعادة تشكيل الانطباعات بين الشعوب.
The post تقارب الرباط ونواكشوط يقلق الجزائر appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.