تغيير معالم الرباط يثير أزمة صامتة.. تقرير لـ”رويترز” يكشف تفاصيل الهدم بحي المحيط

أصرت سميرة وهبي ابنة حي المحيط في مدينة الرباط على البقاء في منزلها متحدية قرار هدمه مع بدء جرافة في اختراق أحد جدران المنزل.

وتشهد بعض أحياء مدينة الرباط ومناطق مجاورة عمليات هدم منذ نحو عامين تحت شعار “إعادة التهيئة” لا سيما على الشريط الساحلي المطل على المحيط الأطلسي، ضمن مشروع لم تكشف الحكومة عن تفاصيله أو تعرضه جهة رسمية على السكان.

 

أصيبت سميرة بحالة من الذعر وثقتها مقاطع فيديو منشورة على بعض المواقع الصحفية المحلية ووسائل التواصل الاجتماعي لتجد نفسها أمام أمر واقع يجبرها هي وكثير من جيرانها على ترك منازلهم لصالح مشاريع لم يطلعهم أحد على تفاصيلها.

قالت سميرة وهي تشير إلى موضع الفجوة التي أغلقت لاحقا بالجبس والأسمنت “ما آلمني ليست الجدران أو البيت نفسه، وإنما الشعور “بالحكرة” في بلدي”.

وفي الوقت الذي أعلنت فيه الوكالة الحضرية للرباط وسلا، وهي جهة رسمية معنية بالتخطيط العمراني، منح تراخيص لبناء فنادق استعدادا لاستضافة المغرب نهائيات كأس العالم 2030، تفاجأ عدد من سكان حي المحيط قبل نحو شهرين بنشر أسمائهم في الجريدة الرسمية ضمن قرار بهدم منازلهم لأغراض “المنفعة العامة”.

ورفضت عدة جهات رسمية التعقيب على الأمر أو الإفصاح عن طبيعة هذه المشاريع، وامتنعت جهات حكومية عن التعليق أو الرد على استفسارات رويترز بهذا الشأن، كما نأت (جماعة الرباط) وهي هيئة منتخبة تتولى الشؤون الإدارية والخدمية للمدينة بنفسها عن الملف، ورفضت (إدارة أملاك الدولة) التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية التعليق.

والعام الماضي قال وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أمام البرلمان إن ما يحدث في حي المحيط امتداد لمشاريع تهدف إلى القضاء على “دور الصفيح، والمباني الآيلة للسقوط والنسيج العمراني القديم”.

وأوضح حينها أن مديرية أملاك الدولة “تقتني العقارات المعنية في إطار مسطرة الاقتناء بالتراضي وبعدها تواكب السلطات المختصة هذه العملية من أجل إيجاد الحلول المرضية للأسر المعوزة التي تستغل بعض هذه العقارات على وجه الكراء مع مراعاة التوفيق بين مستلزمات التنمية ومتطلبات الحفاظ على حقوق المواطنين المعنيين”.

وأكد أن حي المحيط ليس استثناء وأن “عمليات الهدم وإعادة الإيواء ليست وليدة اليوم، بل تم تنفيذها منذ سنوات في إطار مجموعة من البرامج الوطنية والعمليات القطاعية لا سيما برنامج مدن بدون صفيح” الذي بدأته الدولة في 2004.

وقدر مصدر من جماعة الرباط طلب عدم نشر اسمه عدد سكان حي المحيط حسب آخر إحصائيات 2024 “بنحو 30 ألف وعدد السكان الذين طالهم الهدم 2500 إلى 3000 عائلة، وكل هذه العمارات متواجدة قبالة المحيط الأطلسي، أما الأحياء الأخرى في حي المحيط من جهة بعيدة عن البحر فشملت أغلبها بعض التغييرات من إصلاحات للشوارع ومواقف السيارات”.

 خيارات منعدمة

في حي المحيط أيضا، خرجت ناديا (45 عاما) من شقتها بأحد العقارات حديثة البناء بعدما شعرت باهتزازات قوية للجدران بسبب هدم عقار مجاور.

وقالت بوجه شاحب وصوت مرتجف “لم أنم طوال الليل، في كل مرة أشعر بأن العمارة تهتز وأحسب أنني سأموت تحت أنقاضها”.

وتحدثت لرويترز عن عرض الشراء المقدم لها قائلة “هذه شقتي الصغيرة ومساحتها لا تتجاوز 50 مترا مربعا، فإذا بعت بالسعر الزهيد الذي حددته الدولة فأي عقار سأقتني بهذا السعر وسط الرباط الغالية جدا وأين أسكن؟”.

والرباط من أغلى المدن المغربية من حيث أسعار العقارات، إذ حددت الدولة سعر الشراء عند 13 ألف درهم للمتر المربع بالنسبة للشقق المسجلة رسميا، وعشرة آلاف درهم للمتر المربع بالنسبة للشقق غير المسجلة.

وفي ظل خيارات منعدمة، قبلت مجموعة من السكان بيع الشقق بالتراضي للدولة، ومنهم كاميليا التي تعيش في فرنسا. وقالت لرويترز عبر الهاتف “كانت لنا ثلاث شقق في حي المحيط ورثتها أنا وإخوتي الأربعة عن جدي، أنا أتفهم في الأصل معاناة الساكنة الذين أخرجوا من بيوتهم، لكن بالنسبة لعائلتي البيع كان حلا أفضل لشقق كانت مكتراة منذ الثمانينات بإيجار زهيد لا يمثل القيمة الحقيقية لإيجار شقة وسط الرباط اليوم”.

وإذا بدا هذا الخيار أسهل لبعض ملاك المنازل القديمة فإن الوضع مختلف بالنسبة للعقارات الأحدث، كما هو الحال مع (أ.ح) الذي اشترى شقة في حي المحيط عام 2018 بمبلغ 900 ألف درهم عن طريق الاقتراض من البنك، ثم وجد نفسه مرغما على قبول سعر أقل بكثير للبيع، مع تراكم فوائد القرض.

ويتيح القانون المغربي للمتضررين من عمليات نزع المليكة لأغراض المنفعة العامة الطعن في مبلغ التعويض أمام القضاء الإداري إذا اعتبروه غير منصف، حيث تتولى المحكمة إعادة تقديره بناء على الخبرة والأسعار السائدة في السوق.

كما شكا بعض السكان، الذين غادروا منازلهم خوفا من الارتجاجات العنيفة، مثل ناديا، من غياب أي تواصل أو تفاوض، وعدم إخطارهم بالتطورات.

وقالوا “فقط فوجئنا بأسمائنا في الجريدة الرسمية في مارس الماضي بأن بيوتنا ستهدم وأنه يجب أن نخرج في غضون شهرين”.

 دعم حقوقي

مع نفاد الوقت، وجدت استغاثات السكان صدى لدى بعض الجمعيات والمنظمات الحقوقية التي اعتبرت ما يحدث من أعمال هدم “مجانبا للقانون”.

وقال المحامي الحقوقي فاروق المهداوي، وهو أيضا مستشار منتخب في مجلس جماعة الرباط  لرويترز “بالنسبة لنا هنا في الرباط بدأت عملية تغيير معالم المدينة قبل صدور تصميم التهيئة الذي صدق عليه المجلس في دورة دجنبر 2024، ودخل حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 22 فبراير 2025”.

وأضاف “التأثير لا يبقى مرتبطا فقط بالتغيير الحضاري والعمراني، بل يمتد إلى التأثير الاجتماعي والطبقات الاجتماعية التي تسكن المدينة، وهذا يؤثر على النمو الاقتصادي والشعور العام للمواطنين، كما يخلق بؤر توتر جديدة”.

وأوضح أن “الهدم انطلق في صيف 2024، تحت طائلة توسيع الشوارع والأزقة، لكنه شمل فيما بعد المنازل، وتم الضغط على المواطنين لبيع عقاراتهم”.

ويرى المهداوي أنه “كان من الأجدر بالدولة أن تقوم بوضع تصاميم للمشاريع التي تريد أن تنجزها، وتجلب المستثمرين الذين يريدون اقتناء الأرض، وتضعهم في مقابلات تفاوضية مع ملاك هذه العقارات بحيث يكون منطق الإيجاب والقبول هو السائد عوضا عن الضغط عليهم بأساليب خارقة للقانون أدت بمجموعة من الناس إلى فقد توازنهم النفسي والعقلي، وهناك من وافته المنية، وهناك الآن من هو في السجن بسبب تراكم الديون”.

كما أبدت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان اهتمامها بالملف، ونددت بشدة “ما تعرضت له ساكنة حي المحيط بالعاصمة من تضييق وترهيب، خلال محاولتهم تقديم تعرضاتهم القانونية  بشأن نزع الملكية”.

وطالبت “بالشفافية والولوج الكامل للمعلومات، بما في ذلك التصاميم والمبررات القانونية.. مع الإصرار على أن يكون التعويض عادلا”.

كما اتهمت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، السلطات بممارسة “ضغوط غير قانونية” على السكان لإجبارهم على ترك منازلهم تحت مسمى “البيع الطوعي”.

قالت سميرة وإلى جوارها أدوية وأوراق طبية تفيد بإصابتها بانهيار عصبي وارتفاع في ضغط الدم “قضيت 30 عاما في الغربة ومعي جنسية دولة أوروبية، لكنني فضلت أن أعود إلى بلدي وأعيش فيه، ولا أريد مغادرته”.

 

اقرأ المقال كاملاً على لكم