تعليم قديم لجيل جديد..

مجرد حصة عادية من حصص المصطلحات الانجليزية، التيمة هذه المرة كانت الفن.. ولجت الحصة محملا بحاسوبي وعليه صور لكثيرين ممن قرأت لهم، استمتعت بأفلامهم وأيضا بعض رواد الموسيقى المغربية والعالمية. اعتقدت واهيا أنه سيكون في الأمر الكثير من الحماس والتفاعل إلا أن ما حدث كان العكس تماما. أسماء معينة كانت تكفي لتفتح باب الدهشة وتصيب التلاميذ بنوع من البرود غير المعتاد في جيل حركي.. نجيب محفوظ، ويليام شكسبير، فيودور دوستويفسكي، فنسنت فان كوخ، الشعيبية طلال، محمد شكري، فولفغانغ أماديوس موزارت، بل وحتى توم كروز…  كنت أتصور أن هذه الأسماء ليست مجرد معارف، بل مفاتيح لعوالم يدركونها، وأنها سترج فضول تلاميذي وتبعث بعض الروح في مخيلتهم إلا أن ملامحهم كانت تقول: من هؤلاء؟

أحسست بأني غريب وسط جيل نشأ بطريقة مختلفة، جيل عبر السلك الابتدائي والاعدادي بطريقة مختلفة عنا قبل أن يصل، بعد سنوات، للتأهيلي دون أن تمر به أسماء كتلك التي توهمت جازما أنهم يعرفونها جيدا.

أزعجني جدا صمت تلاميذي، صمتهم الذي لا يشبه التفكير بل يشبه الفراغ. أدركت  لحظتها أن المسافة بيني وبينهم ليست نقص معلومات، ولا كسل بل اختلاف إيقاع. أنا القادم من زمن كان فيه المعنى يشيد ببطء وبتأني، طبقة فوق طبقة، فكرة بعد فكرة ومعلومة بعد معلومة.. بينما هم يعيشون زمن الخبر العاجل، زمنهم يتشكل في ومضات، في مقاطع قصيرة، في صور تستهلك دون أن تكون لهم رغبة في فهمها. ليس من نشأ على قراءة قصص الأنبياء وقصص جحا كمن نشأ على مشاهدة الرياز والأغاني الهابطة…

تلاميذي ليسوا أقل قدرة على الفهم.. قد تكون الهواتف والمقاطع القصيرة قد أصابت أجسادهم ببعض الكسل لكن ليس هذا هو سبب اختلافهم.  بل هم أكثر استعجالا، يبحثون عن الطريق الأسرع للوصول، لا يهمهم كيف فليسوا من المبالين بالطريقة بقدر ما تغريهم الألوان التي تلمح لهم بالجانب الآخر من الطريقة.

بالعودة إلى الحصة والأسماء، المشكلة ليست أنهم لا يعرفون تلك الأسماء، بل أنهم لم يجدوا بعد الطريق إليها. لأننا نقدم تعليما قد يكون جيدا لكنه يقدم بطرق قديمة وتقليدية لا يمكنها أن تغري مواليد ما بعد 2005. لذلك وإن حملت التلميذ المسؤولية في لحظة غضب فأنا أؤمن في صمت أنه لا ذنب للتلميذ في ما وصل إليه حاله في زمننا الحاضر. التلميذ هو نتاج ما نقدمه له، هو نتاج الكيفية التي نقدم له بها التعليم. ولا أقول أن الأستاذ هو السبب لأنه هو أيضا حبيس مقررات يجب أن تنتهي، واختبارات يجب أن تنجز، ووسائل وآليات محدودة جدا لتخلق لنا أستاذا مبدعا.

أقصد القول أن هذا الجيل يحتاج إلى طرق تدريس مختلفة تقطع مع العقلية التقليدية،.. يجب أن نضع التلميذ في وسط يشبه أفكاره واهتماماته لا أن نحاول عزله عنه. فليكن الدرس  صورة تتحول إلى سؤال، مقطع قصير يصبح بوابة لنص طويل، أو تجربة صغيرة تغوي فضولا غير مستقر. وأبدا لا أقول بأن نهوي بالتعليم إلى القاع لنحقق الهدف المنشود بل أقول أننا نحتاج أن ننحني قليلا نحو هذا التلميذ وليس للانحناء علاقة بتدريس التلميذ البطبوط أو شوشو… بل الانحناء هو أن نعرج قليلا على لغة يفهمونها حتى نضمن لفت انتباههم المستمر وحتى تغدو المدرسة فضاء جذب لا فضاء نفور.

في الأخير نعيد التأكيد أننا – الأساتذة والاداريين والمسؤولين التربويين والسياسيين، نتواجد في عالم مختلف جدا عن عالم التلاميذ. لا نفكر بنفس الطريقة ولا نهتم بنفس الأشياء. عالمنا نعتقد عن خطأ أو عن صواب أنه عميق لكن لغته لم تعد تفهم ولا تستوعب، وعالم جديد بصخبه وألوانه يفهمه ويحبه التلاميذ لكنه قد يكون مؤذيا إذا لم نؤطره بمقررات وقرارات وسياسة تعليمية حكيمة.

في الحصة الموالية سأجدني مضطرا لأستبدل موزارت بطوطو، وطوم كروز بولد الشرقية…

 

اقرأ المقال كاملاً على لكم