تصعيد الشرق الأوسط يختبر توازنات الهند الصعبة
وسط توتر أمني متصاعد في الشرق الأوسط، وبعد قمة أميركية صينية تابعتها العواصم الآسيوية عن كثب، تجد الهند نفسها أمام اختبار صعب لسياستها الخارجية: كيف توازن بين علاقاتها مع إيران، وشراكتها المتقدمة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وتنافسها المفتوح مع الصين، من دون الانزلاق إلى اصطفاف صريح ومكلف؟
بالنسبة إلى نيودلهي، لا تبدو الحرب أزمة بعيدة. فالهند تعتمد بقوة على استقرار ممرات الطاقة في الخليج، وتراقب بحذر التوتر حول مضيق هرمز، في وقت تحدث فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد قمته مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، عن اتفاقهما على ضرورة فتح المضيق، من دون أن تظهر مؤشرات واضحة إلى استعداد بكين للضغط المباشر على طهران.
ولم تكن قمة بريكس في نيودلهي بعيدة عن هذا الارتباك. فقد انتهى اجتماع وزراء خارجية التكتل، في 15 أيار (مايو)، من دون بيان مشترك بسبب الخلافات حيال الحرب في الشرق الأوسط، في مشهد عكس حدود قدرة التكتلات الصاعدة على إنتاج موقف موحد حيال أزمات تمسّ أعضاءها مباشرة.
بين الأكثر تضرراً
في سياق تفكيك هذا التوازن الهندي الحرج، يقول د. سيد مكاوي زكي، خبير الشؤون الآسيوية، وزميل كلية الدراسات الدولية بجامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي، لـ"النهار"، إن الهند تبدو بين أكثر الأطراف تضرراً من الحرب مع إيران، بسبب اضطراب إمدادات الطاقة عبر الخليج ومضيق هرمز، وتزامن ذلك مع ضغوط أميركية متجددة على نيودلهي في ملف واردات الطاقة الروسية.
يشار إلى أن إدارة ترامب سمحت، في 16 أيار (مايو)، بانقضاء إعفاء عقوبات كان يتيح لدول، بينها الهند، استيراد النفط الروسي المنقول بحراً، في خطوة تزيد حساسية سوق الطاقة بالنسبة إلى نيودلهي.
ويرى مكاوي أن أثر الحرب لا يقتصر على فاتورة النفط، بل يمتد إلى الداخل الهندي، خصوصاً في ما يتعلق بالوقود وغاز الطهو. ويلفت إلى أن الجالية الهندية الواسعة في دول الخليج، التي يقدَّر عددها بما بين 9 و10 ملايين شخص، تمثل عنصراً حيوياً في حسابات نيودلهي، بالنظر إلى وزن تحويلات الهنود في الخارج في الاقتصاد الهندي، وارتباط ملايين العمال الهنود باستقرار المنطقة.

بين طهران وتل أبيب
لكن معضلة الهند لا تقف عند الطاقة. فقبل اندلاع الحرب، زار رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إسرائيل في 25 و26 شباط (فبراير)، في زيارة رسمية أكدت عمق العلاقة بين نيودلهي وتل أبيب. وأشار البيان الهندي الإسرائيلي المشترك إلى توسيع التعاون في مجالات الدفاع والأمن والفضاء والطاقة والتقنيات الحيوية والأمن السيبراني.
يقول مكاوي إن الشراكة الدفاعية بين الهند وإسرائيل مهمة للطرفين، لكنها أكثر أهمية بالنسبة لإسرائيل. فالهند تشتري أسلحة إسرائيلية بمبالغ ضخمة، وهذه المبيعات تمنح إسرائيل أرباحاً تساعدها على تمويل عمليات التحديث والابتكار في صناعاتها الدفاعية.
ويضيف أن الشراكة مع الهند أتاحت لإسرائيل تنفيذ عمليات تصنيع عسكري على نطاق واسع داخل الأراضي الهندية، وهو أمر مهم للهند أيضاً، لأنها تسعى إلى توطين التكنولوجيا الدفاعية الغربية المتقدمة. لكنه يشدد على أن الهند تستطيع إيجاد بدائل للأسلحة والتكنولوجيا الإسرائيلية، بينما يصعب على إسرائيل أن تجد سوقاً بحجم السوق الهندية.
أما في ما يتعلق بإيران، فيؤكد مكاوي أن العلاقات الهندية الإيرانية ذات جذور تاريخية وثقافية قوية، إذ يُعد الدور الإيراني والفارسي جزءاً من التاريخ والثقافة في الهند. ويلفت إلى أن الهند تضمّ أقلية مسلمة كبيرة، يقدر عددها بنحو 200 مليون مسلم أو أكثر، من بينهم جالية شيعية متعلمة وذات نفوذ وتحظى باحترام مؤسسات الدولة، وهو ما يمنح إيران قدراً من النفوذ الأدبي داخل الهند، ويجعل هذه الجالية جسراً للعلاقة بين البلدين.
ويشير إلى أن ميناء تشابهار يمثل مشروعاً بالغ الأهمية للهند، لأنه يمنحها بوابة إلى آسيا الوسطى من دون المرور عبر باكستان، أي إنه يسمح للهند بالالتفاف على باكستان للوصول إلى تلك المنطقة. وذكر أن نيودلهي ضخت استثمارات كبيرة في هذا الميناء.

بكين وواشنطن تضيّقان هامش الحركة
من زاوية إقليمية، لا تبدو هذه التوازنات الهندية مجرد حسابات داخل نيودلهي، بل تنعكس أيضاً على طريقة نظر دول الشرق الأوسط إلى الهند. يرى محمد فوزي، الباحث المصري المتخصص في قضايا الأمن الإقليمي، أن هناك تغيرات نوعية تطرأ على الدور الهندي، تجعل دول المنطقة تنظر إلى نيودلهي بوصفها أكثر من شريك اقتصادي تقليدي، وإن لم تصل بعد إلى مستوى "القوة الضامنة للأمن الإقليمي".
ويوضح فوزي، لـ"النهار"، أن الهند ارتبطت تاريخياً بالمنطقة عبر الطاقة والعمالة والتحويلات المالية، لكن السنوات الأخيرة شهدت توسعاً في أدوارها البحرية والديبلوماسية، وتزايد حضورها في مبادرات الربط والممرات الاقتصادية. ومع ذلك، لا تزال دول الإقليم تتعامل معها باعتبارها قوة "جيو اقتصادية" أكثر منها قوة عسكرية أو أمنية قادرة على فرض التوازنات.
تتعمّق صعوبة الموقف الهندي مع حضور الصين في المشهد. فالهند، بحسب مكاوي، تؤمن بتعددية قطبية عالمية، لكنها تريد أيضاً تعددية قطبية داخل آسيا، ولا ترغب في أن تنفرد بكين بالهيمنة على الشؤون الآسيوية. لذلك، تظل العلاقة مع واشنطن والغرب مهمة لنيودلهي بوصفها وزناً استراتيجياً في مواجهة الصين.
غير أن تجربة الهند مع إدارة ترامب، من التعريفات الجمركية إلى ضغوط الطاقة، أدت إلى تراجع الثقة في الشريك الأميركي. ويرى مكاوي أن نيودلهي لا ترغب في تصعيد الاستقطاب العالمي، لأن زيادة التوتر بين واشنطن وبكين، أو بين واشنطن وموسكو، تضيّق هامش المناورة أمامها، وتجبرها على الاقتراب من طرف على حساب آخر.
أما فوزي، فيرى أن المقارنة بين الهند والصين في الشرق الأوسط تكشف اختلافاً في طبيعة النفوذ. فالصين تتحرك كقوة اقتصادية واستثمارية ضخمة قادرة على تمويل البنية التحتية وربط الأسواق، لكنها تتجنب التورّط الأمني المباشر. في المقابل، تمتلك الهند ميزة مختلفة، تقوم على العامل البشري والتقارب الاجتماعي مع الخليج، والاعتماد المتبادل في الطاقة والعمالة، وخطاب سياسي أقل تصادمية، ما يمنحها مرونة وقبولاً، رغم أن قدراتها الاقتصادية تبقى أقل من الصين.
ولا يقتصر تعقيد موقع الهند في الإقليم على منافستها مع الصين، إذ يطل العامل الباكستاني من زاوية أمن الخليج. يقول فوزي إن حضور إسلام آباد الأمني في بعض ملفات الشرق الأوسط، خصوصاً في العلاقة مع السعودية، يخلق نوعاً من "ازدواجية الشراكات الأمنية" لدى بعض دول الخليج، حيث توازن بين الهند كشريك اقتصادي وتكنولوجي، وباكستان كحليف عسكري تقليدي. وهذا لا يقصي الهند، لكنه يحدّ من قدرتها على التحوّل إلى شريك أمني مهيمن في المنطقة.
بريكس وحدود الجنوب العالمي
في النهاية، كشفت قمة بريكس في نيودلهي حدود الخطاب عن "نظام عالمي بديل". فالتكتل الذي يضم الهند والصين وإيران وروسيا ودولاً عربية مؤثرة، فشل في الاتفاق على بيان موحد حيال حرب الشرق الأوسط.
وبحسب مكاوي، تنظر الهند إلى بريكس كمنصة للجنوب العالمي، لكنها تنافس الصين داخلها على من يملك شرعية تمثيل هذا الجنوب. أما فوزي فيرى أن بريكس لا يملك حتى الآن أدوات تنفيذية، لا قوة أمن جماعي، ولا آليات تدخل أو إدارة أزمات، ولا توافقاً سياسياً يسمح بمواقف حاسمة في القضايا الجيوسياسية الساخنة.
هكذا تبدو الهند قوة صاعدة، لكنها ليست قوة حرة الحركة بالكامل. فهي تتحرك بين طاقة الخليج، وسوق السلاح الإسرائيلي، ومصالحها مع إيران، وضغوط واشنطن، وصعود بكين، وحسابات بريكس. والحرب مع إيران لا تخلق هذه التناقضات من الصفر، لكنها تكشفها دفعة واحدة، وتضع سياسة "التوازن الهندي" في نطاق زمني ضيق أمام اختبارها الأصعب.