تصاعد الإقبال على شراء الذهب يعيد رسم خريطة الاحتياطيات العالمية
تشهد الأسواق المالية الدولية تحولاً لافتاً في سلوك البنوك المركزية، مع تسارع وتيرة شراء الذهب ورفعه إلى موقع متقدم داخل الاحتياطيات الرسمية، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد المخاوف من استخدام العملات كأداة ضغط سياسي؛ وهو ما انعكس مباشرة على الأسعار التي تجاوزت هذا العام خمسة آلاف دولار للأونصة للمرة الأولى في التاريخ.
الطلب المتنامي تقوده بشكل رئيسي اقتصادات ناشئة، بينها الصين والهند وتركيا وبولندا، حيث كثفت هذه الدول مشترياتها خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة من ارتفاع عوائد الصادرات أو من احتياطيات نقدية كبيرة، وساعية في الوقت نفسه إلى تقليل الاعتماد على الدولار واليورو، وتوسيع هامش المناورة في إدارة أصولها الخارجية.
بيانات مجلس الذهب العالمي تشير إلى أن البنوك المركزية أضافت أكثر من ألف طن سنوياً إلى احتياطياتها خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وهو مستوى غير مسبوق منذ عقود. كما استمرت هذه الوتيرة مع بداية 2026، إذ سجلت عدة دول زيادات جديدة في مارس، من بينها الصين التي رفعت مشترياتها إلى أعلى مستوى خلال أكثر من عام، إلى جانب تحركات مماثلة في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى.
هذا التحول يرتبط بشكل وثيق بالتطورات السياسية، خصوصاً بعد قرار تجميد الأصول الروسية في الخارج عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، وهو القرار الذي أثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط المالية حول أمن الاحتياطيات المقومة بالعملات الأجنبية، ودفع عدداً من الدول إلى البحث عن أصول يصعب استهدافها بالعقوبات، في مقدمتها الذهب بوصفه مخزوناً مادياً لا يرتبط بالتزامات طرف ثالث.
في هذا الإطار، أكد محافظ البنك المركزي البولندي آدم غلابينسكي أن حالة عدم الاستقرار باتت سمة رئيسية في الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن تنويع الاحتياطيات لم يعد خياراً بل ضرورة، وأن الذهب يؤدي دوراً محورياً في هذا المسار، لكونه أصلاً يتمتع بالسيولة والقبول العالمي ولا يعتمد على سياسات دولة بعينها.
الارتفاع الحاد في الأسعار لم يكن نتيجة الطلب الرسمي فقط، إذ ساهمت أيضاً تدفقات المستثمرين الأفراد وصناديق التحوط في تعزيز الاتجاه الصعودي. غير أن المحللين يرون أن العنصر الحاسم يبقى توجه البنوك المركزية، باعتبارها لاعباً طويل الأجل لا تحكمه تقلبات يومية، وهو ما يضفي على السوق قدراً من الاستقرار النسبي رغم الارتفاعات السريعة.
في المقابل، تواجه هذه الاستراتيجية تحديات عملية، إذ يتطلب الذهب بنية تخزين معقدة وتكاليف تأمين مرتفعة، كما أن نقله بين الدول أو بيعه بكميات كبيرة قد يستغرق وقتاً، بخلاف الأصول المالية الرقمية التي يمكن تحويلها خلال ثوان. إضافة إلى ذلك، لا يحقق الذهب عائداً دورياً مثل السندات، ما يجعله خياراً دفاعياً أكثر منه استثمارياً.
رغم هذه القيود، أظهرت التطورات الأخيرة أن الذهب يحتفظ بميزة أساسية تتمثل في استقلاله عن النظام المالي التقليدي، وهو ما يمنحه جاذبية خاصة في أوقات الأزمات، حيث يمكن تسييله بسرعة نسبية عند الحاجة، كما حدث في تركيا التي لجأت إلى بيع أو إقراض أكثر من 120 طناً من احتياطياتها منذ أواخر فبراير، بهدف دعم عملتها المحلية في مواجهة ضغوط التضخم وتراجع الثقة.
في أوروبا، يعكس التحول الحالي مراجعة تدريجية لسياسات سابقة، إذ كانت عدة بنوك مركزية قد خفضت حيازاتها من الذهب خلال التسعينيات، معتبرة أنه أصل غير منتج. غير أن الأزمات المالية المتعاقبة، وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية الراهنة، أعادت طرحه كعنصر أساسي في إدارة المخاطر، وهو ما دفع دولاً مثل التشيك إلى وضع خطط لزيادة احتياطياتها بشكل كبير خلال السنوات المقبلة.
مسألة تخزين الذهب باتت بدورها جزءاً من النقاش، حيث تتركز كميات ضخمة في مراكز مالية تقليدية مثل لندن ونيويورك، لما توفره من بنية تحتية متطورة وسهولة في التداول. ويحتفظ بنك إنجلترا وحده بنحو 430 ألف سبيكة ذهبية لصالح أكثر من ستين بنكاً مركزياً، ما يسمح بإجراء عمليات البيع والشراء دون الحاجة إلى نقل المعدن فعلياً.
ويثير هذا التركز تساؤلات لدى بعض الدول حول جدوى الاحتفاظ بالذهب خارج حدودها، خاصة في ظل تصاعد التوترات السياسية. وقد دفع ذلك إلى مطالبات متفرقة بإعادة جزء من الاحتياطيات إلى الداخل، كما فعلت ألمانيا جزئياً في السنوات الماضية، بينما تسعى دول أخرى إلى توزيع مخزونها جغرافياً لتحقيق توازن بين الأمان والسيولة.
في آسيا، تواصل الصين اتباع سياسة تدريجية في تعزيز احتياطياتها، مع قدر محدود من الشفافية بشأن مواقع التخزين، في حين تعمل مراكز مالية مثل هونغ كونغ على جذب جزء من هذا النشاط، عبر تطوير مرافق تخزين وتداول حديثة، ما يعكس تنافساً متزايداً على استضافة الذهب العالمي.
على صعيد التوقعات، تشير استطلاعات حديثة إلى أن عدداً كبيراً من البنوك المركزية يعتزم الحفاظ على وتيرة الشراء الحالية أو زيادتها خلال العام المقبل، مع تقديرات ببلوغ الأسعار مستويات أعلى، مدفوعة باستمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، سواء بسبب النزاعات الإقليمية أو التوترات التجارية أو تقلبات السياسات النقدية في الاقتصادات الكبرى.
ويبدو أن الذهب يعود إلى الواجهة ليس كخيار تقليدي فحسب، بل كأداة استراتيجية تعكس تحولات أعمق في بنية النظام المالي العالمي، حيث تسعى الدول إلى تقليل تعرضها للمخاطر السياسية، وتعزيز استقلالها في إدارة احتياطياتها، في بيئة دولية تتسم بتداخل غير مسبوق بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية، وهو ما يجعل من المعدن الأصفر أحد أبرز المؤشرات على شكل النظام المالي في المرحلة المقبلة.
The post تصاعد الإقبال على شراء الذهب يعيد رسم خريطة الاحتياطيات العالمية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.