تشرشل وشيشرون: حيث لا مكان للتسوية
الخوري ريمون أبي تامر
في حزيران 1940 كانت أوروبا تتصرف كأن التاريخ انتهى. سقطت باريس، والجيوش الألمانية تجتاح القارة بسرعة أقرب إلى القدر منها إلى الحرب. وعلى امتداد القارة أعادت الحكومات اكتشاف لغة واحدة: الواقعية، التسوية، حسابات النجاة. وهذه اللحظة نفسها هي سبب توقفنا هنا. لاحقاً صارت الحرب تحالفات مع ستالين وأميركا وحسابات استراتيجية. لكن في صيف 1940 لم يكن هناك تحالف ولا سلاح ولا أمل عسكري. كان هناك قرار أخلاقي خالص: إما أن تسقط بريطانيا وهي واقفة، أو تسقط وهي راكعة. لذلك وقوفنا عند هذه اللحظة ليس تجاهلاً للتاريخ، إنما هو عزل للحظة التي يُختبر فيها معنى الواجب بلا حساب.
لحظة لا تُحسب فيها الكلفة
في لندن العظيمة تحوّل السؤال من كيف تنتصر إلى كيف تتفادى السقوط الكامل. حتى داخل الحكومة البريطانية بدا التفاوض مع ألمانيا النازية خياراً عقلانياً. فلماذا تُحرق البلاد في معركة خاسرة؟ لماذا يُدفع شعب كامل نحو الدمار إذا كان ميزان القوى قد حُسم أصلاً؟ كان الخوف يومها يتجلى بلغة أقرب إلى الحكمة. لكن رجلاً واحداً رفض أن يسلّم بأن الواقع وحده يملك الكلمة الأخيرة. وينستون تشرشل رأى أبعد من بريطانيا التي تواجه هزيمة عسكرية شبه حتمية، لأنه رأى شيئاً أخطر وهو انهيار الإرادة نفسها.
والمفارقة أن هذا الرفض لم يكن فعلاً فوضوياً ولا قراراً ميليشيوياً. تشرشل تكلم من موقع الدولة، كان رئيس حكومة شرعية مسؤولة أمام البرلمان والشعب. لذلك في قوله الشهير "لن نستسلم أبداً" لم يكن يعلن تمرداً على الدولة، إنما دفاعاً عن معناها ضد انهيارها من الداخل. هذا الفرق هو ما يفصل بين الواجب الأخلاقي والفتنة، لأن الواجب لا يُمارس إلا من موقع مسؤولية الدولة، ومن خارجه يتحول إلى احتكار للعنف باسم الشرف والسرديات المضللة.
درس شيشرون في غرفة الحرب
المشكلة في الهزائم الكبرى أنها لا تبدأ على الجبهة. فهي تبدأ حين تقتنع الأمم أن المواجهة لم تعد عقلانية. لهذا لم يقل تشرشل "لا" لأنه رأى طريقاً واضحاً إلى النصر، والعبور لن يتم من باب التفاؤل. كان عارفاً أن بريطانيا تقف وحدها تقريباً، وأن أوروبا كلها تكاد تصبح قارة نازية. لكنه فهم ما غاب عن كثيرين: بعض التسويات لا تمنع الكارثة، هي فقط تجعلها أكثر إذلالاً. ومن خلفه كان ظلّ رجل روماني مات قبل ألفي سنة لا يزال حاضراً في غرفة الحرب البريطانية: ماركوس توليوس شيشرون، الخطيب والفيلسوف، الذي قرأه تشرشل بشغف يتخطى القراءة الأدبية الكلاسيكية والزينة الثقافية، فقرأه كدليل ونهج لنجاة الجمهوريات حين تختبر لحظات الذعر التاريخي.
في كتابه "في الواجبات" De Officiis لا يتعامل شيشرون الفيلسوف مع السياسة كفنّ البقاء، إنما يضعها في إطار الامتحان الأخلاقي. الإنسان مدين لنفسه ولعائلته ولدولته، وهذا الدين الأخير لا يسقط بالخطر، يسقط فقط إذا خان صاحبه. الخيانة ليست أن تُهزم، إنها قرار توقف المعركة قبل نهايتها لأنك خفت من الثمن. وعلى هذا المسار يلتقي الرجلان على أرض واحدة، أرض الفكر الرواقي الجمهوري.
الفرق بين هذا المنطق ومنطق "الواقعية السياسية" كبير، لأن الواقعية ترى في السياسة فن الممكن، وأن الممكن يحدد انطلاقاً من ميزان القوى. أما شيشرون وتشرشل فيقلبان المعادلة! الممكن لا يسبق الفعل، بل يتبعه. الفعل الأخلاقي هو الذي يوسّع دائرة الممكن. لهذا لم يكن تشرشل متفائلاً، كان عنيداً. والفرق جوهري: فالمتفائل يراهن على الغد، والعنيد يلتزم بالمبدأ حتى لو أغلق الغد أبوابه.
النافع مقابل الشريف
شيشرون يفرّق بين النافع والشريف. النافع قد يحفظ الحياة مؤقتاً، أما الشريف فهو ما يحفظ معناها. والسياسة لا تبلغ كمالها إلا إذا غلّبت الشريف على النافع. تشرشل طبق ذلك حرفياً، وكان يعلم أن التفاوض مع هتلر قد يحفظ أرواحاً مؤقتة، لكنه كان يدرك أيضاً أنه سيقتل معنى بريطانيا كدولة حرة يحكمها القانون، لذلك فضّل الخطر الشريف على السلام النافع.
وهنا يظهر مفهومHonestas عند شيشرون، وهو من أقسى أفكاره وأعمقها. الإنسان أكثر من مجرد كائن يسعى إلى البقاء، فهو كائن يبحث عن الانسجام مع طبيعته العاقلة الحرة. وهنا يصبح اختيار السلام المخزي أعمق من خطأ حسابي، ليكون انكساراً في البنية الأخلاقية للنفس. وهذا بالتحديد ما فهمه تشرشل حين قال لاحقاً إن الخيار لم يكن بين الحرب والسلام، بل بين الحرب والعار. العار الذي يتخطى الشعور العابر، ليصل إلى اللحظة التي تتخلى فيها الأمة عن صورتها الأخلاقية كي تطيل عمرها قليلاً.
حين وقف تشرشل في مجلس العموم وقال: "سنقاتل على الشواطئ، سنقاتل في الحقول، سنقاتل في الشوارع، لن نستسلم أبداً"، هذا الخطاب يتخطى الخطاب الحماسي لشعبٍ خائف، ليصل إلى إعادة تعريف السياسة نفسها، ويضعها في معناها الأعمق. وهذا ما قام به تشرشل: حوّل السياسة من إدارة الخوف إلى منع الخوف كي لا يصير فلسفة حكم.
حين قاتلت بريطانيا وحدها
خمسة عشر شهراً قاتلت بريطانيا وحدها تقريباً، وكانت تلك الأشهر كافية لتغيير مجرى القرن العشرين كاملاً. فأعطت الولايات المتحدة وقتاً للدخول إلى الحرب، وأعطت المقاومة الأوروبية معنى، وكسرت صورة ألمانيا النازية كقدر لا يُهزم. غيّرت بريطانيا الواقع من حالة الثبات التي عاشها في صيف 1940 إلى حالة من رفض الرضوخ لواقع مغلق.
وهذه هي الفكرة الأخطر التي أخذها تشرشل من شيشرون: الواجب لا يأتي بعد الإمكان، أحياناً هو الذي يخلق الإمكان نفسه. وكما قال تشرشل لاحقاً: "لم أرَ المستحيل". هذا القول لا يجوز اعتباره إعلاناً للشجاعة الجوفاء، لأنه إعلان باسم الإرادة الأخلاقية التي تسبق الإمكان المادي والملموس. فحين تحذف كلمة "مستحيل" من قاموسك السياسي، تنفتح الخيارات، والواقع يلحق بالموقف لا العكس.
لكن الفرق بين الرجلين يبقى عميقاً، لأن شيشرون كتب والإمبراطورية الرومانية تموت أمام عينيه، وهو يدافع عن مبدأ يلامس الماضي. أما تشرشل فوقف داخل دولة لا تزال حيّة، وهو يعرف أن الأمم يمكن أن تموت معنوياً قبل أن تُحتل عسكرياً. لهذا لم يستخدم شيشرون كحلية ثقافية، إنما كمنهج حكم، فأن تحكم يعني أن تحمي معنى الدولة قبل حدودها.
ومنذ ذلك الصيف صار واضحاً أن الدول لا تنهار أولاً تحت الدبابات، بل حين تقر نخبها أن الواجب صار عبئاً غير عقلاني.
ثمة أمم تُهزم وهي تقاتل، وثمة أمم تنهار قبل إطلاق الرصاصة الأخيرة. ولهذا لم يكن تشرشل رجل الحرب الأهم في القرن العشرين فقط، كان الرجل الذي رفض الاستسلام الداخلي. وفي لحظات التاريخ الكبرى قد لا ينتصر الأقوى دائماً. لكن الذي يغيّر مجرى العالم غالباً هو آخر رجل ما زال يرفض أن يساوم على ما لا يُشترى ولا يُفاوض عليه.