تشاؤم واقعي: جولة أفق في نظام عالمي يتفكك
عام 1901 كتب البريطاني نورمان أنجل أن التداخل الاقتصادي الكثيف بين لندن وبرلين أنهى إلى الأبد منطق الحرب بين الكبار. كذّبته الحرب العظمى بعد ثلاثة عشر عاماً تكذيباً قاطعاً.
لم يكن خطأ أنجل في عجزه عن توقع رصاصة سراييفو، بل في عماه عن الضغوط البنيوية المتراكمة تحت سطح النظام الدولي كله. هذا هو الدرس المنهجي الذي يستحق أن يُستعاد اليوم، حين يبدو نظامنا العالمي، مرة أخرى، مطمئناً في السطح ومتصدعاً في الأعماق.
النظام الذي أعقب 1945 لم يكن، في جوهره، ترتيباً اقتصادياً بمقدار ما كان صفقة أمنية، اشترت بها واشنطن في بريتون وودز منظومة تحالفات، كرشوة استراتيجية ضد الشيوعية، وسرعان ما تحولت إلى سلاسل إنتاج للصناعة والزراعة والمعدات، تحميها الأساطيل الأميركية عبر مسارات التجارة العالمية.
لكن الأدلة تتراكم اليوم بجلاء: لم تعد أميركا، لا سياسياً ولا عسكرياً، قادرة، ولا راغبة في ضمان هذه المنظومة. ومن قراصنة الصومال إلى مضيق ملقا وصولاً لأزمة الخليج الراهنة، تتوالى إشارات الانسحاب الهادئ من دور الضامن الأخير.
فوق هذا التصدع الأمني، يقع تحول ديموغرافي معاكس للمسار التاريخي الحديث. كان الطفل، في الاقتصاد الزراعي، أصلاً منتجاً، فحوّلته العولمة إلى عبء على الأسرة الحضرية، فيما يتقلص جيل المشترين باضطراد، وتضمر شريحة الخمسينيين التي كانت تغذي القدرة الإنتاجية والتجارة العالمية.
يذكرنا بعض المتشائمين الساخرين بالطاعون الأسود، الذي أباد ثلث سكان أوروبا، إذ يعتبرونه أفضل ما أصاب الحضارة الغربية: حرر الأقنان بسبب ندرة العمالة، فارتفعت الأجور، وأطلق زمام البرجوازية، والمدينة الدولة.
فهل يخفي الانكماش الراهن، خلف مأساته الظاهرة، إمكانية تحول مماثل؟ السؤال مفتوح، لكن السياق مختلف جذرياً؛ فما كان محلياً ومحدوداً في القرن الرابع عشر بات اليوم عالمياً ومترابطاً بحيث يتدحرج أي خلل، كحجر الدومينو، عبر التكنولوجيا والمال والطاقة معاً؛ وهذا بالضبط ما تكشفه الحرب الأوكرانية ثم الإيرانية بالملموس.
مع تراجع القدرة العالمية على تكرير النفط دون الحد التشغيلي الأدنى، ينطلق تفاعل تسلسلي نحو أزمة شاملة، إذ لا يعمل أي قطاع تكنولوجي دون تجارة عالمية نشطة، ووقود كافٍ.
تصدّر أميركا نحو خمسة ملايين برميل يومياً من المنتجات المكررة، وتحقق أرباحاً نسبية في الطاقة والزراعة رغم تآكل قاعدتها الصناعية. يقدر الخبراء المتشائمون أن الإنتاج الزراعي والصناعي سينخفض في دول عديدة بما يكفي لتقليص سكانها بنسبة تصل إلى النصف.
تكفي أي من الأزمة الديموغرافية أو الإنتاجية لإحداث صدمة عالمية. لكنهما تتضافران الآن لتوليد مزيج نادر: انكماش يتشابك مع نزعة تضخمية حادة، في ظل تراجع عام للاستهلاك، بل تندفع الدول لتعظيم إنتاجها ومخزوناتها هرباً من هشاشة سلاسل التوريد. وتحت تهديد أزمة تايوان، تتسابق الدول المتقدمة لبناء مصانع شرائح باهظة الكلفة، فتصدّر تضخماً قريب المدى وانكماشاً لاحقاً.
تقاطعت سلاسل التوريد في ثلاثينيات القرن الماضي في دولتين أو ثلاث. أما اليوم فتمتد سلسلة توريد الشريحة الواحدة إلى نحو ستين بلداً، ومئتي شركة تنتج منها منتجاً وحيداً لزبون وحيد عبر سلسلة بمئة ألف خطوة. لكن شركة هولندية وحيدة، ASML، تحتكر أكثر مراحلها تقدماً. وتكفي إزالة قلة منها لإيقاف السلسلة بأكملها. لكن حروب المسيّرات الراهنة لا تحتاج تلك الشرائح الفائقة، بل تكتفي بتقنية الأشعة فوق البنفسجية العميقة التي تنتجها بغزارة دول عديدة، إحداها الصين.
وفيما تعجز هذه المسيرات عن احتلال الأرض، لكنها كافية لإخراج البنية التحتية القريبة من الحدود لأي دولة متقدمة، لتصير مكشوفة أمام خصومها الأضعف.
إنه انعطاف حاسم في مفهوم القوة الدولية. وبعد أن تمتعت أميركا لدرجة الثمالة بتفوق التكنولوجيا العسكرية لثلاثين عاماً، أصبحت هذه القوة متوافرة للدول كما للميليشيات بعد الثورة العسكرية الثانية.
روسيا بدورها، التي بنت سمعتها القتالية على تحمل الألم والدفاع الناجح، خسرت تاريخياً كل حرب هجومية (باستثناء الحرب الوطنية العظمى)، وأعقب كل محاولة هجومية روسية اضطراب داخلي عميق: حرب القرم فإصلاحات ألكسندر الثاني، وحرب 1905 فالدوما فالثورة البلشفية، والحرب الشيشانية الأولى فسقوط يلتسين. فهل تتحول تداعيات حرب أوكرانيا إلى اضطراب نووي؟ يكفي "أن تتوتر روسيا كي يتوتر جيرانها الكبار".
ويدفع انهيار نظام الردع الجماعي دولاً أصغر، من فنلندا إلى بولندا وتركيا، للتفكير علناً في ردعها النووي الخاص، بينما يتوسع الاتحاد الأوروبي ليشغل الفراغ الاستراتيجي بين روسيا والشرق الأوسط، متحولاً بثبات من ناد مالي إلى كيان سياسي-عسكري.
تبقى الصين القوة الأوراسية الوحيدة الموازية، بإيديولوجية أقل وقدرة أضخم، لكنها الأكثر ارتهاناً للعولمة ذاتها، إذ تستورد وتصدّر نحو ثمانين في المئة من تجارتها، فلا تملك ترف قيادة عولمة منفردة، ولا ترف حرب تُصلح اعتمادها المفرط على النظام القائم.
أمام هذا الواقع ينقسم الخيار الأميركي بين ثنائية نظيفة مع بكين، تفضّلها المؤسسة الأمنية لسهولة حلها الرياضي، أو محاولة استعادة الهيمنة عبر تفوق الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية.
بل يترافق التحول بتبدل أعمق في بينة الدولة القومية. قامت المدنية، منذ خمسة عشر قرناً، على إنتاج المزيد للمزيد من الناس، ومزيد من الاستهلاك. ولأول مرة في التاريخ، تنعكس المعادلة: الحفاظ على مستوى المعيشة بإنتاج أقل، لعدد أقل.
يفرغ هذا الانقلاب الدولة القومية من أساسها الإيديولوجي التاريخي، فتتحول، في كثير من البلدان، إلى ما وصفه أزيموف بـ"الدولة المجوفة": قشرة تحمي أوليغارشية متجذرة، بينما يعيش الشباب في عزلتهم مع الذكاء الاصطناعي، بلا مؤسسات ولا حياة سياسية جامعة، وفراغ دولتي تعجز فيه الدولة عن الاستجابة للصدمات، أمام جمهور غاضب وغير مبالٍ.
مع ذلك، يبقى مبدأ الدولة، بوصفها التفويض الأساسي لتنظيم احتكار العنف الجماعي، أصعب من أن يُلغى. ومن شركة الهند الشرقية إلى شركة خليج هدسون، انتصرت الدولة تاريخياً على كل قوة الاحتكارات التجارية والتكنولوجية، ولن يكون امتلاك شركة واحد لثمانين في المئة من الأقمار الاصطناعية استثناء.
لم يُكتب بعد الشكل الجديد للدولة الوطنية بعد موت نموذجها القومي. قد يكون أكثر رحمة أو أكثر قسوة، قد يكون شخصانياً أو مؤسسياً، إقطاعياً أو مبتكراً بالكامل. فبعد أن تراجع السكان من مليون إلى خمسين ألفاً في روما القديمة، كان من بقي قد نسي كيف ينتجون معظم الخيرات. النظام الذي نعيش أفوله اليوم أعقد بما لا يُقاس، وهذا وحده يكفي تفسيراً لتشاؤمنا الواقعي.