تسليم أجور الموظفين قبل العيد.. متنفس اجتماعي يصطدم بتبعات مالية
مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، يتجدد في المشهد الوطني مفعولُ القرار الحكومي القاضي بتقديم موعد صرف أجور موظفي القطاع العام، المنتظَر أن يتم بدءا من يوم 20 ماي الجاري، وفق ما أكده الناطق الرسمي باسم الحكومة.
هذا الإجراء، الذي يُراد منه في مقام أول “ضخ طمأنينة اجتماعية وسيولة نقدية وتأمين القدرة الشرائية للأسر أمام مصاريف الأضحى الاستثنائية، سرعان ما يتحول عقب انقضاء أيام العيد إلى مادة دسمة للمساءلة والنقاش الاقتصادي.
ولا تمنع غاية الإجراء، التي تتجلى بنُبلها الاجتماعي، فإن التبعات المالية “حتميّة”، وفق محللين اقتصاديين وخبراء ماليين تحدثوا لهسبريس، مؤكدين أن “هذا التدبير الاستثنائي يضع الدورة الاقتصادية والميزانيات الأسرية على حد سواء أمام معادلة صعبة التوازن طيلة ما يتبقى من أسابيع بداية الصيف (شهر يونيو).
“صدمة طلب”
عبد الرزاق الهيري، خبير اقتصادي مدير “مختبر تنسيق الدراسات والأبحاث في التحليلات والتوقعات الاقتصادية” التابع لكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله- فاس، قال إن “الصرف المبكر لأجور موظفي القطاع العام هو إجراء اجتماعي اعتادت عليه السلطات العمومية في مناسبات ماضية”.
وأوضح الهيري، في تصريح لجريدة هسبريس، أن هذا الإجراء هو “في عمقه ضخٌ لسيولة نقدية استثنائية؛ لكنها محددة ومحدودة الزمان، إذ تأتي في مرحلة زمنية وجيزة تتهيأ فيها الأسر المغربية لشراء أضاحي العيد”.
ومن الناحية الماكرو-اقتصادية، أضاف الخبير الاقتصادي أن هذا الصرف المبكر للأجور يحدِث “صدمة طلب” قوية؛ ولكنها “متمركزة”، نظرا لكون هذه السيولة تُضخ دفعة واحدة في أيدي مئات الآلاف من الموظفين وتُوجّه فورا ونحو هدف واحد وهو شراء الأضاحي.
وتابع المتحدث عينه: “هذه الصدمة الفجائية في الطلب تطرح علامة استفهام كبرى حول مدى قدرة العرض في السوق على الاستجابة السريعة لهذا الارتفاع المتزايد. وبما أن العرض لا يمكنه الاستجابة الفورية والمرنة لهذه الصدمة، فإن النتيجة الحتمية المترتبة على ذلك هي إمكانية ارتفاع أسعار الأضاحي، والتي هي في الأصل مرتفعة هذا العام بفعل عدة عوامل اقتصادية ومناخية سابقة”.
“انكماش استهلاكي” قادم؟
في السياق، رصد الهيري “تداعيات ميزانياتية وانكماش الإنفاق الاستهلاكي”، إذ سيطرح هذا التدبير المالي إشكالا ميزانياتيا آخر على مستوى الأسر؛ فبما أن الأجور صُرِفت في زمن مبكر ومحدد،” ستجد الأسر نفسها دون سيولة مالية كافية لتغطية ما تبقى من أيام الشهر اللاحق، لاسيما شهر يونيو”، بتعبيره.
وتوقع الخبير الاقتصادي أن يفضي ذلك إلى “انكماش ملحوظ في الإنفاق الاستهلاكي خلال الفترة التي تَلِي العيد؛ مما ينعكس سلبا ويؤثر على التوازنات الماكرو-اقتصادية العامة لفترة معينة”.
وبالرغم من التداعيات السابقة، فإن “الصرف المبكر للرواتب تدبير اجتماعي مهم وآلية تضامنية من الدولة تجاه موظفي القطاع العام”، أكد المصرح لهسبريس، مستدركا: “لكن هذا الوضع يفرض، في المقابل، على الأسر تبني “عقلانية مالية” صارمة وتدبيرا رشيدا للأجر، لضمان توزيعه وتوازنه على بقية أيام الشهر وتفادي الأزمات المالية بعد انقضاء فترة العيد”.
وختم عبد الرزاق الهيري مشددا بقوله: “يبقى ضروريا على السلطات العمومية، وعلى رأسها بنك المغرب والمندوبية السامية للتخطيط، السهر على متابعة ومراقبة تأثيرات هذه السيولة الاستثنائية على المستوى العام للأسعار؛ من أجل ضمان عدم تحول صدمة الطلب هذه إلى عامل إضافي يسهم في تغذية التضخم ورفع مؤشراته”.
ضُعف ادخار الأسر
عمر باكو، خبير اقتصادي متخصص في السياسة النقدية والصرف، تطرق إلى “البنية الطبقية للأسر المغربية، التي يبلغ عددها نحو خمسة ملايين أسرة (إحصاء عام للسكنى)، تتوزع في معظمها بين أسر فقيرة وأخرى متوسطة الدخل تنتمي إلى الطبقة الوسطى؛ في حين تشكل الأسر الغنية التي يتجاوز دخلها الشهري 40 ألف درهم أقلّية محدودة داخل المجتمع”.
وتتميز الميزانيات المالية لمعظم هذه الأسر بـ”ضعف بنيوي في الادخار أو انعدامه تماما”. ويرجع هذا العجز أساسا إلى “انخفاض المداخيل الشهرية مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة التي تضخمت بفعل انفتاح متسارع للمغرب على العالم وعلى العولمة التجارية التي وفرت سلعا وخدمات هائلة”.
وأضاف باكو، في تصريح لهسبريس، أنه في ظل نمط استهلاكي معوْلَم، “تشكل المناسبات الاستثنائية والطارئة، مثل عيد الأضحى، مصاريفَ ونفقاتٍ طارئة لم تكن مبرمجة أو مدمجة مسبقا في ميزانيات الأسر؛ مما يضعها أمام خيارين ماليين لا ثالث لهما: إما اللجوء إلى الاقتراض غير النظامي من الأصدقاء والأقارب والمحيط العائلي، أو التوجه نحو الاقتراض النظامي عبر شركات القروض الاستهلاكية”.
ومن هذا المنطلق، “تتدخل الدولة بإجراء حمائي يهدف إلى تسهيل الأمر على الموظفين وتفادي وقوعهم في ضائقة مالية خانقة أو اضطرارهم لاستنزاف مدخّراتهم، فتقوم بتقديم موعد صرف الأجور”، وفق تعبير الخبير الاقتصادي المتخصص في السياسة النقدية والصرف، الذي سجل أن هذا الإجراء يعد “بمثابة سلف مالي مؤقت وبدون فوائد تقدمه الدولة للموظفين لمساعدتهم على تدبير النفقات الآنية المرتبطة بالملائمة الاستثنائية للعيد”.
واستخلص المصرح لهسبريس أن “النتيجة المباشرة لتقديم الأجور وصرفها المبكر تتجلى في مرحلة ما بعد العيد، حيث تكتشف الأسر أن الجزء المتبقي من الراتب المخصص لتغطية بقية الشهر أصبح ضئيلا ونسبيا؛ مما يلزمها باللجوء إلى ما يُعرف بـ”التعديل الميزانياتي” لنفقاتها لضمان استمراريتها”.
وحسب عمر باكو، “يأخذ هذا التعديل المالي أشكالا مختلفة تعتمد أساسا على خفض الإنفاق؛ ومنها إلغاء مشاريع السفر أو النزهات، والاستغناء عن شراء الملابس المخصصة للكبار مع الاقتصار فقط على الملابس التقليدية أو ملابس العيد للأطفال الصغار، بالإضافة إلى تأجيل دفع بعض المستحقات والنفقات غير المستعجلة”،
وخلص الخبير المتخصص في السياسة النقدية والصرف إلى أن “التوجه الاستهلاكي المركّز كليا نحو أضحية العيد يؤدي بشكل مباشر إلى تضرر قطاعات اقتصادية أخرى؛ مثل قطاع تجارة ملابس الكبار والفنادق والأسفار، نتيجة الركود المؤقت فيها؛ مما يدفع الأسر خلال النصف الثاني من الشهر إلى الاعتماد على حلول بديلة كالاقتراض قصير الأجل، ويبرز هنا بوضوح سلوك الشراء بالدين (الكراني) من محلات البقالة المحلية لتأمين السلع الأساسية.
ومن منظور السياسة النقدية، أكد الخبير عينه “غيابَ أي أثر إجمالي على حجم الكتلة النقدية جراء هذا التدبير، لكونها تتوزع بنيويا بين نقد كتابي بنسبة 85 في المائة ونقد متداول بنسبة 15 في المائة.
وختم عمر باكو شارحا لهسبريس: “ما يحدث في فترة العيد ليس نموا للكتلة؛ بل إعادة هيكلة بنوية داخلية مؤقتة، حيث ترتفع السيولة المتداولة نتيجة السحوبات المكثفة لمواجهة المعاملات الميدانية، مقابل انخفاض موازٍ في النقد الكتابي بالبنوك؛ وهي ظاهرة دورية مألوفة ترتبط بالأعياد والصيف، وتعود تلقائيا إلى وضعها التوازني الطبيعي بمجرد انقضاء المناسبة”.
The post تسليم أجور الموظفين قبل العيد.. متنفس اجتماعي يصطدم بتبعات مالية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.