تزايد الهجمات السيبرانية يشد الانتباه إلى توظيفات "مديرية أمن المعلومات"
شدّت الهجمات السيبرانية ومحاولات الاختراق المتواصلة وتقليد المواقع الرسمية كما جرى مع وزارة العدل الأنظار إلى الاستراتيجية التوظيفية التي اعتمدتها المديرية العامة لأمن نظم المعلومات بإدارة الدفاع الوطني مؤخرا بخصوص توظيف خبراء متعاقدين؛ بوصف هذه المرونة، في ظل تسارع تحركات الهجمات، “اختبارا واضحا لتقوية الكفاءة الوطنية العمومية في مجال الأمن الرقمي”.
وتنص المادة الحادية والعشرون من المرسوم رقم 2.25.841، المتعلق بالنظام الأساسي الخاص بموظفي المديرية العامة لأمن نظم المعلومات بإدارة الدفاع الوطني، على أنه “يمكن لإدارة الدفاع الوطني، كلما اقتضت ضرورة المصلحة ذلك، وفي حدود المناصب المالية المخصصة لهذا الغرض، أن تشغل متعاقدين بالمديرية العامة وفق الشروط والكيفيات المحددة بقرار لرئيس الحكومة”.
كما تشير المادة نفسها من المرسوم سالف الذكر، الذي صدر حديثا في الجريدة الرسمية، إلى أنه “تعرض عقود التشغيل التي لا يمكن أن تتعدى مدتها ثلاث (3) سنوات قابلة للتمديد لمدة أقصاها ثلاث سنوات، على تأشيرة كل من السلطة الحكومية المكلفة بالمالية والسلطة الحكومية المكلفة بإصلاح الإدارة”.
وبالإضافة إلى ذلك، تنص المادة الثانية والعشرون على ما يلي: “يوقع المترشحون الذين تم قبول توظيفهم عملا بمقتضيات هذا النظام الأساسي، التزاما بالعمل ضمن مصالح المديرية العامة لمدة لا تقل عن ثمان (8) سنوات ابتداء من تاريخ التوظيف”.
ويتضمن هذا الالتزام، وفق منطوق المادة ذاتها، “شرطا يقضي بأداء الموظف الذي يرغب في ترك العمل قبل استيفاء هذه المدة، لفائدة الخزينة العامة للمملكة، نسبة الثمن (1/8) من آخر أجرة سنوية عن كل سنة أو جزء من السنة من الخدمة غير المنجزة”؛ فيما “يعفى الموظف من هذا الأداء في حالة ثبوت عدم قدرته الصحية أو المهنية على الاستمرار في مزاولة مهامه”.
وتسري مقتضيات هذه المادة كذلك على “الموظفين المدمجين بالمديرية العامة تطبيقا لمقتضيات هذا النظام الأساسي. ويُحتسب أجل الثماني (8) سنوات المشار إليه في الفقرة أعلاه ابتداء من تاريخ إدماجهم”.
وسجل متخصصون أن “الهجمات السيبرانية عموما صارت تعرف تناميا متسارعا، وقد أصبحت مدعومة بشكل متزايد بتقنيات الذكاء الاصطناعي؛ مما أدى إلى تعقيد أساليبها وتطورها”.
وأبرز هؤلاء المتخصصون أن “الأمن السيبراني لم يعد مجرد مسألة تقنية؛ بل أضحى رهانا سياسيا بامتياز، يرتبط ارتباطا وثيقا بسيادة الدول، ويمس استقرارها وأمنها الاقتصادي والمؤسساتي”.
“مرونة مطلوبة”
قال أنس أبو الكلام، الأستاذ الجامعي بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بمراكش والخبير الدولي في الأمن المعلوماتي، إن “التحديثات المتواترة تدفع إلى الواجهة بسؤال جوهري: هل تتوفر الدول، ومن بينها المغرب، على كفاءات وطنية كافية لمواجهة هذه التحديات؟”.
وأبرز أبو الكلام، في تصريح لهسبريس، أن “المملكة المغربية، رغم الجهود المبذولة، لا تزال تعاني من نقص ملحوظ في الكفاءات المتخصصة بشكل دقيق في مجالات مثل أمن الشبكات”.
وسجل الخبير الدولي في الأمن المعلوماتي أن “النقص، الذي يمتد كذلك إلى الأمن السيبراني وتحليل الهجمات والذكاء الاصطناعي الأمني فضلا عن تقنيات الاختراق الأخلاقي واختبار الاختراق، لا يرتبط أساسا بضعف التكوين؛ بل أيضا بالتسارع الكبير في الطلب العالمي على هذه المهارات، التي أصبحت من بين الأكثر ندرة وتنافسية في سوق الشغل”.
وأفاد المصرح لهسبريس بأن “التحدي يزداد تعقيدا بسبب بطء وتعقيد مساطر التوظيف التقليدية، خاصة في القطاعات الحساسة كقطاع الدفاع، حيث يصعب اللجوء إلى كفاءات أجنبية”، لافتا إلى أن “المجال الرقمي يتميز بسرعة عالية وديناميكية مستمرة؛ ما يفرض على المؤسسات القدرة على استقطاب الخبرات المتخصصة في آجال قصيرة، قد لا تتجاوز أياما أو أسابيع”.
واستند الأستاذ الجامعي بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بمراكش إلى المرسوم سالف الذكر، موضحا أن “المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، بصفتها فاعلا استراتيجيا في مجال الأمن السيبراني بالمغرب، تولت القيام بعدد من الإصلاحات؛ من بينها مراجعة نظام التوظيف، في خطوة تعكس وعيا متزايدا بخصوصية هذا المجال”.
وفي هذا الصدد، أبرز أنه “بعد أن كان الولوج يتم حصريا عبر مباريات كتابية وشفوية وإجراءات تقليدية تابعة للوظيفة العمومية أو للمجال العسكري، أصبح من الممكن اليوم اعتماد آليات أكثر مرونة، من قبيل التوظيف المباشر، إضافة إلى التعاقد لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد”.
هذه المرونة، وفق المتحدث، تُعد “تحولا نوعيا يمكن أن يسهم في استقطاب كفاءات عالية؛ غير أنها تظل بحاجة إلى تقييم دقيق لقياس مدى فعاليتها، من حيث قدرتها على جذب الخبرات في وقت وجيز، ومدى انفتاحها على كفاءات قادمة من القطاع الخاص أو من تجارب دولية”.
وشدد أنس أبو الكلام على أنه “يظل من الضروري تعزيز تنافسية القطاع العام في سوق الكفاءات، ولو بشكل نسبي، مع ترسيخ الحس الوطني لدى هذه الكفاءات؛ بالنظر إلى ارتباط هذا المجال الوثيق بقضايا السيادة”.
نحو بيئة جذابة
قال حسن خرجوج، الخبير في الأمن السيبراني، إن “المغرب شهد، منذ أشهر عديدة، تصاعدا ملحوظا في التحديات السيبرانية عالية الحساسية، التي تستهدف مؤسساته السيادية والاستراتيجية”.
ونبه خرجوج، في تصريح لهسبريس، إلى أن “هذا الواقع ظلّ يفرض إعادة النظر في آليات التعاطي مع هذه التهديدات، خاصة في ظل طبيعة الحروب الهجينة التي تتجاوز المفهوم التقليدي للسيادة وتستدعي في بعض الأحيان انفتاحا مدروسا على الخبرات الأجنبية إلى جانب الاعتماد على الكفاءات الوطنية”.
وأضاف الخبير في الأمن السيبراني أن “التحرك الذي قامت به المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، والقائم على اعتماد التعاقد المباشر، يمثل تحولا نوعيا في تصور التوظيف داخل هذا المجال”، موضحا أن “هذا التوجه سيمكن من استقطاب كفاءات عالية قد لا تتوفر بالضرورة على شهادات جامعية؛ لكنها تمتلك خبرة عملية ومهارات تقنية متقدمة، وهو ما يعكس فهما جديدا لطبيعة الكفاءة في مجال الأمن السيبراني”.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن “الاعتماد على المهارات بدل الشهادات ليس توجها محليا فحسب؛ بل هو نهج معمول به في دول رائدة، حيث تبنته الولايات المتحدة منذ عقود، كما سارعت أوروبا إلى تطوير برامج مماثلة”، معتبرا أن “هذا النموذج يفتح الباب أمام فئة واسعة من الشباب الذين راكموا معارفهم عبر التكوين الذاتي، وتمكنوا من تحقيق مستويات احترافية دون المرور بالمسارات الأكاديمية التقليدية”.
كما أكد الباحث المتخصص في الأمن السيبراني والسيادة الرقمية أن “التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في استقطاب هذه الكفاءات؛ بل في الحفاظ عليها داخل المغرب”، مضيفا أن “العديد من الطاقات الشابة تجد فرصا مغرية في شركات عالمية كبرى مثل Kaspersky وMeta، حيث يتم تقدير المهارات العملية بغض النظر عن المستوى الدراسي؛ وهو ما يجعل هذه الكفاءات عرضة للاستقطاب الدولي”.
وأشار حسن خرجوج إلى ضرورة توفير تحفيزات مادية ومعنوية تنافسية، تضمن استقرار هذه الكفاءات داخل الوطن، مبرزا أن “الاستثمار في هذه الطاقات المحلية يمثل رهانا استراتيجيا لتعزيز الأمن السيبراني الوطني، مع أن نجاح هذا التوجه يظل مرتبطا بمدى قدرة المؤسسات على خلق بيئة عمل جاذبة ومستدامة”.
The post تزايد الهجمات السيبرانية يشد الانتباه إلى توظيفات "مديرية أمن المعلومات" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.