ترويض "طالبان"... رهان إقليمي ودولي
لا يلوح في الأفق أملٌ في تغيير طبيعة حكم "طالبان" الأفغانية، رغم اشتداد المطالب الدولية بذلك، من أجل تهيئة الداخل الأفغاني لاستعادة اللاجئين. ويبدو أن الضغط على الحركة المسلحة أصبح مطلباً مشتركاً بين الأوروبيين الذين يطمحون إلى إعادة أكثر من 27 ألف لاجئ أفغاني، وباكستان المتضررة أيضاً من السياسة العدائية للحركة المسلحة. فقد قال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في اليوم العالمي للاجئين، 20 حزيران/يونيو: "إن أفغانستان آمنة ومستقرة ومزدهرة اقتصادياً ضرورية لعودة اللاجئين الأفغان بكرامة وإعادة دمجهم بشكل مستدام في بلادهم"، مع إعلانه عودة نحو 2.4 مليون لاجئ من بلاده إلى أفغانستان طوعاً وكرهاً.
وإن كان هناك اتفاق إقليمي ودولي على ضرورة استقرار السلطة في أفغانستان، فإن هناك أيضاً اتفاقاً على ترويض حركة "طالبان"، ولو بالقوة، من أجل تحقيق بيئة داخلية تضمن عودة اللاجئين.
لكن الأمر يبدو، في ظل طبيعة حكم "طالبان" القبلية والدينية، مستحيلاً، فقد قابلت الحركة مطالب المجتمع الدولي بمزيد من القمع للحريات والتنكيل بالمرأة. حتى أن المجتمع الأفغاني بدأ يضجّ بتساؤلات حول مسائل فقهية، من قبيل: هل وجه المرأة عورة أم لا؟ كما أُصيب كثيرون بالصدمة إثر جلد معلمة بسبب قيامها بتعليم الفتيات عبر الإنترنت، في مشهدٍ عكسَ حجم القهر الذي تمارسه الحركة ضد المجتمع الأفغاني.
المعارضة الأفغانية في يد باكستان
ثمة علاقة بين نشاط قوى المعارضة الأفغانية المناهضة لحكم "طالبان" وبين سياسة التهديد الأمني التي تمارسها الحركة حيال حكومة إسلام آباد التي تقلق من تطوير خصمها الهندي لقدرات "طالبان" العسكرية؛ إذ بينما هاجمت طائرات مسيّرة من أفغانستان الأراضي الباكستانية بذريعة مواجهة تنظيم "داعش"، دانت جبهة المقاومة الوطنية الأفغانية تلك الهجمات، واتهمت "طالبان" بأنها تذهب بأفغانستان إلى مزيد من العزلة.
ومع اشتداد تحركات المعارضة الأفغانية المسلحة والسياسية ضد "طالبان"، بدأت وسائل إعلام قريبة من الحركة الحاكمة في كابول، مثل "المرصاد"، اتهام الجيش الباكستاني بالوقوف وراء تحركات المعارضة. وبدأت "طالبان" بسياسة تصفية جسدية ضد عسكريين سابقين في الجيش الأفغاني كانوا قد غادروا مناصبهم بعد هروب الرئيس أشرف غني إلى الخارج. وفي إقليم بانشير، رمز المقاومة الوطنية، الذي يقع شمال العاصمة كابول، شددت "طالبان" وجودها العسكري عقب نشر مقاطع فيديو تُظهر نشاطات للمعارضة المسلحة هناك، كما فرضت حملات اعتقال لمواطنين بتهمة الانضمام إلى جماعات مسلحة.
المعارضة لمصلحة مَن؟
إن كانت المعارضة الأفغانية تطمح إلى إطاحة حكم "طالبان"، الذي تعتبره عقبة أساسية أمام التغيير، فإن القوى الداعمة لها لا تزال توظفها في حيزٍ لا يتجاوز ترويض "طالبان" والضغط عليها. فقد كشفت صحيفة "إكسبريس تريبيون" الباكستانية أن الاتحاد الأوروبي دخل في محادثات مع جماعات أفغانية معارضة، بما في ذلك زعيم "جبهة المقاومة الوطنية" أحمد مسعود. وكأن الأوروبيين على استعداد لاستخدام خيارات سياسية بديلة في مواجهة "طالبان"، وهو ما يُعد رسالة سياسية مهمة للحركة الدينية.
وفي الوقت الراهن، إلى جانب جبهة المقاومة الوطنية، هناك جبهات مسلحة أخرى تقاتل ضد "طالبان"، منها: "جبهة حرية أفغانستان" بقيادة الجنرال ياسين ضياء، و"حركة الحرية والعدالة" بقيادة حامد سيفي، و"الجبهة الوطنية لاستقلال أفغانستان" بقيادة نويد أحمدزي. ورغم أن نشاطات هذه الجبهات محدودة وغير منتظمة، أثار استمرارها قلقاً وغضباً لدى "طالبان"، بخاصة أن تجربة الحكم الديني تدفع المعارضة الأفغانية إلى تبني خطاب يؤكد التعددية والحريات والديموقراطية وحماية حقوق الإنسان وحقوق المرأة، وهي قضايا تجذب الدول الأوروبية وتدفعها إلى دعم الجبهات العسكرية ضد "طالبان".