ترامب يتساهل كي لا تغادر إيران المفاوضات... وطهران لتكريس مكاسب قبل الانتخابات النصفية
بعث الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإشارات إيجابية إزاء إيران. هكذا يمكن شرح تصريحه بالانفتاح على تمديد مدة الـ60 يوماً للتوصل إلى اتفاق، وكذلك تمسكه بالخيار الديبلوماسي في الوقت الحاضر، على رغم أنه بحث مع وزير الحرب بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، إمكان استئناف الحرب الشاملة ضد إيران، لكسر حالة عدم اليقين السائدة منذ التوقيع على مذكرة التفاهم مع طهران في 17 حزيران/يونيو.
هرمز بين الوقائع والرسائل السياسية
وعلى مثال ترامب، ينسج نائبه جي دي فانس، إذ يقول إن النفط يتدفق عبر مضيق هرمز منذ التوقيع على مذكرة التفاهم وهدنة الـ60 يوماً، بشكل أكبر مما كان عليه قبل الحرب. كلام لا يتطابق مع بيانات شركات الملاحة العالمية. وتدنّى العبور كثيراً الأسبوع الماضي، بسبب الضربات المتبادلة بين أميركا وإيران في المضيق. واحتار مالكو الناقلات أي مسلك يسلكون، المسار الشمالي المحاذي للمياه الإقليمية الإيرانية وفق ما يطالب الحرس الثوري، أو المسار الجنوبي المحاذي للمياه الإقليمية العُمانية وفق ما تفضل الولايات المتحدة، في حين أن المرور في المنتصف قد يعرّض السفن لانفجار الألغام التي زرعتها إيران خلال حرب الـ40 يوماً.
لا الرد الأميركي على استهداف الحرس الثوري سفناً كانت تعبر المسار العُماني، ولا تباطؤ إيران في استئناف المفاوضات التقنية المتعلقة ببرنامجها النووي، وإصرارها على الحصول على تنازلين أميركيين قبل ذلك يتعلقان بمصير المضيق ومصير الأموال المجمدة، سيدفعان ترامب إلى رد فعل سلبي، قد تتخذه إيران ذريعة لوقف التفاوض والعودة إلى الوراء.
والرسائل المرنة الصادرة عن ترامب ونائبه، على رغم مخالفتها واقع الأمور أحياناً كثيرة، فإن غايتها باتت معروفة، وهي الوصول إلى موعد الانتخابات النصفية والشرق الأوسط أقل اضطراباً. ولا يأمر الرئيس الأميركي شركات النفط الأميركية بخفض أسعار البنزين والديزل بعد فتح مضيق هرمز فقط، بل دعا، بصورة استثنائية، إلى مؤتمر عام للحزب الجمهوري في 9 و10 أيلول/سبتمبر، لدعم المرشحين الجمهوريين في انتخابات الخريف، بعدما لمس الانخفاض الملحوظ في شعبيته بفعل الحرب.

حسابات ما قبل الانتخابات
الفترة الفاصلة عن موعد الانتخابات الأميركية، هي الفترة التي تضغط إيران خلالها لتكريس سيطرتها على مضيق هرمز، ولو بغطاء عُماني رمزي، وللحصول أيضاً على أكبر مبلغ من الأموال المجمدة، لقاء التزامها بوقف النار والتواصل مع أميركا عبر الوسطاء، على غرار ما يجري في الدوحة منذ يومين. وفي هذه الفترة، يستطيع ترامب القول، دون إثبات، إن إيران وافقت على التخلي عن برنامجها النووي، أي إنه حقق الهدف الرئيسي الذي شن من أجله الحرب.
لا تثق إيران بكيفية رد فعل ترامب بعد الانتخابات، سواء بقي الجمهوريون ممسكين بمجلسي الشيوخ والنواب، أو فقدوا السيطرة على أحد المجلسين أو كليهما.
ومن الآن وحتى موعد الانتخابات، سيبقى المسؤولون الأميركيون، على غرار ما يقوله ترامب وفانس، يؤكدون أن لدى الولايات المتحدة خيارات كثيرة للتعامل مع إيران، في حال لم ينجح الخيار الديبلوماسي.
ليست أميركا وحدها من يلوّح بالعودة إلى الحرب. إذ إن غير مسؤول إيراني يهدد بخيار القوة في حال لم تنجح المفاوضات. وصرح كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف، الثلاثاء، في مقابلة مع التلفزيون الرسمي: "نحن ماضون في الحوار، لكن إذا لم يُنفّذ الحوار، فنحن مستعدون أيضاً للحرب وسنردّ وفقاً لذلك".
ومع ذلك، لم يكن كلام قاليباف كله حربياً. فهو ذكّر المتشددين الإيرانيين المعارضين لمذكرة التفاهم، بأنه خلال الحصار البحري الأميركي، لم تتمكن إيران من تصدير أي برميل نفط من موانئها، مشيراً إلى تصدير "أكثر من 40 مليون برميل من النفط" منذ رفع الحصار بموجب المذكرة.
في الولايات المتحدة وفي إيران، ثمة مواقف تفضل تغليب الديبلوماسية وانتزاع تنازلات لم يكن متاحاً انتزاعها من طريق الحرب. إنما هذه أيضاً طريق مزروعة بالألغام.