ترامب والتحوّل في هيبة الكلمة الأميركية: حين يفقد الخطاب السياسي يقينه الاستراتيجي

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

حسين سعيد 

 

 

لم تعد القوة تُقاس فقط بموازين الردع العسكري أو التفوّق الاقتصادي، بل أيضاً بقدرة الفاعل الدولي على إنتاج اليقين عبر خطابه السياسي. ومن هذا المنظور، تكتسب تجربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب دلالتها بوصفها لحظة اختبار مكثفة لمكانة الرئاسة الأميركية، لا من زاوية تراجع النفوذ البنيوي للولايات المتحدة، بل من زاوية إعادة تشكيل "الهيبة الرمزية" المرتبطة بالكلمة الصادرة عن البيت الأبيض.

 

فالولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بمرتبتها كقوة اقتصادية وعسكرية أولى عالمياً، غير أن التحوّل الأهم يتمثل في الطريقة التي يُعاد بها تفسير هذا النفوذ، وفي مستوى الثقة الذي تولّده القيادة الأميركية داخل منظومة الحلفاء والأسواق والخصوم على حد سواء.

 

من التصعيد إلى التذبذب: الخطاب في لحظته الآنية

 

تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في نمط التعاطي مع الملفات العالية الحساسية، وفي مقدمتها الملف الإيراني، حيث تتجاور نبرات التصعيد الحاد مع إشارات التهدئة ضمن زمن سياسي متقارب، بما يعكس تداخل الخطاب الآني مع ضبابية في الاتجاهات الاستراتيجية. ويبرز ذلك خاصة في مقاربة مضيق هرمز، بين خطاب يقلّل من أثر أي إغلاق محتمل على المصالح الأميركية، وخطاب آخر يتسم بحدة لافتة في الدعوة إلى إعادة فتحه فوراً، بما يعكس دينامية خطابية أقرب إلى إدارة الضغط اللحظي منها إلى تثبيت اتجاه استراتيجي واضح.

 

وفي السياق الأطلسي، عكست قمّة دافوس هذا النمط بوضوح، حيث اتسم الخطاب الأميركي بنبرة مباشرة تجاه حلف شمال الأطلسي، مع إعادة طرح مسألة تقاسم الأعباء الدفاعية بصياغات أكثر صرامة، وصلت إلى المطالبة برفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة. وامتدّت هذه الحدة الخطابية إلى العلاقات داخل المعسكر الغربي، بما في ذلك فرنسا، في تعبير عن انتقال تدريجي من الديبلوماسية البروتوكولية إلى خطاب تفاوضي صدامي عالي الكثافة.

 

من صناعة القرار المؤسسي إلى مركزية الخطاب الرئاسي

 

تقليدياً، كانت السياسة الأميركية تُنتج عبر بنية مؤسسية معقدة، تتكامل فيها مراكز الأبحاث، والمؤسسات الاستخباراتية، والخبرات الاقتصادية والاستراتيجية، بما يضمن تراكماً طويل الأمد واتساقاً في الاتجاهات العامة للدولة. غير أن التجربة الترامبية أبرزت ميلاً متزايداً نحو مركزية الخطاب الرئاسي المباشر، حيث تتقدم التصريحات أحياناً على الإيقاع المؤسسي، وتكتسب وزناً سياسياً فورياً يتجاوز سياقها التراكمي.

 

في هذا الإطار، لا يتمثل التحول في انكفاء المؤسسات، بل في إعادة توزيع مركز الثقل بين القرار البطيء والخطاب السريع. وهو ما يجعل السياسة الخارجية الأميركية تبدو، في نظر كثير من الفاعلين الدوليين، أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر ارتباطاً بإيقاع اللحظة السياسية.

 

وهكذا، لا يكمن التحدي في تراجع القوة الأميركية ذاتها، بل في التحول الذي أصاب "بنية القرار السياسي": من خطاب ينتج اليقين، إلى خطاب يعيد إنتاج الاحتمال؛ ومن هيبة مستقرة إلى إدراك عالمي أكثر ضياعاً وعدم استقرار في قراءة الاتجاهات الأميركية.

 

سؤال الاستمرارية وإمكان ترميم الهيبة

 

في ضوء هذا التحول، يبرز سؤال أكثر عمقاً من مجرد تقييم مرحلة سياسية بعينها: إلى أي مدى يرتبط هذا النمط من الخطاب بشخص الرئيس دونالد ترامب، بوصفه صاحب أسلوب غير تقليدي في اتخاذ القرار وإدارة الرسائل السياسية، أكثر ممّا يرتبط ببنية دائمة في السياسة الأميركية نفسها؟

 

فالتجربة الراهنة تشير إلى أن مركزية الخطاب، وسرعة التبدل في المواقف، والاعتماد المكثف على التصريحات المباشرة، قد أسهمت في إعادة تشكيل صورة الرئاسة بوصفها مؤسسة تتفاعل مع اللحظة بقدر ما تصوغ الاتجاه.

 

ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر حساسية مرتبطاً بالمستقبل: هل يمكن للرئيس الأميركي المقبل أن يعيد ترميم "هيبة الكلمة الرئاسية" واستعادة منسوب الثقة التقليدي الذي كان يحيط بالبيت الأبيض، دون الدخول في كلفة سياسية وإعلامية كبيرة، وفي ظل بيئة دولية اعتادت بالفعل على هذا النمط من الخطاب المتقلب؟
أم أن التحوّل الذي أصاب صورة الرئاسة الأميركية تجاوز حدود الأشخاص، ليصبح جزءاً من إدراك عالمي جديد لطبيعة القيادة في واشنطن، حيث لم تعد الهيبة معطى ثابتاً، بل صارت عنصراً يُعاد بناؤه مع كل إدارة جديدة؟

 

في كلتا الحالتين، يبدو أن التحدي لم يعد فقط في إدارة القوة، بل في إعادة إنتاج الثقة بها.

 

صحف تحمل صورة الرئيسين الصيني والأميركي. (ا ف ب)

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية