ترامب وأزمة القرار بين التصعيد والاتفاق

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

حسين سعيد

 

منذ انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018، تعامل دونالد ترامب مع الملف الإيراني بوصفه ساحة لاختبار نهج سياسي يقوم على كسر القواعد القائمة وتقديم بديل أكثر تشدداً. لم يكن يرى في الاتفاق الذي أبرمته إدارة باراك أوباما حلاً دائماً، بل تنازلاً سمح لطهران بالاحتفاظ بجوهر قدراتها النووية ونفوذها الإقليمي. ومن هنا انطلقت سياسة "الضغط الأقصى" التي جمعت بين العقوبات الاقتصادية والحشد السياسي والإعلامي، بهدف دفع إيران إلى تقديم تنازلات غير مسبوقة.

 

لكن مسار السنوات التالية، وما رافقه من مواجهات وضغوط، كشف حقيقة أكثر تعقيداً: إضعاف إيران اقتصادياً وعسكرياً لا يعني بالضرورة القدرة على كسر إرادتها السياسية أو تغيير سلوكها الاستراتيجي. فالنظام الإيراني، الذي تأسّس على فكرة الصمود في مواجهة الضغوط الخارجية، أظهر قدرة على امتصاص الصدمات والاستمرار في أداء دور إقليمي مؤثر رغم الكلفة العالية.

 

اليوم، ومع تصاعد الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق جديد، تتكثف التسريبات والتصريحات المتناقضة. الدوائر القريبة من ترامب تتحدث عن تفاهمات تتعلق بتجميد التخصيب أو معالجة ملف اليورانيوم المخصّب، بينما تؤكد طهران أن الملفات الجوهرية ما زالت مفتوحة، وفي مقدمتها الأموال المجمدة، والعقوبات، وآليات التنفيذ.

 

هذا التباين لا يبدو تفصيلاً تفاوضياً، بل يعكس جوهراً واحداً: المسافة بين خطاب سياسي يريد إعلان "انتصار كامل" وبين واقع تفاوضي لا ينتج إلا تسويات جزئية. فإيران، حتى بعد الحرب والعقوبات، لا تفاوض من موقع استسلام، بل من موقع طرف يمتلك أوراق ضغط حقيقية، سواء عبر موقعه الجغرافي في مضيق هرمز أو عبر قدرته على التأثير في أمن الطاقة والملاحة الدولية.

 

في المقابل، لا يبدو أن واشنطن قادرة على تحويل الضغط إلى استسلام سياسي كامل. والنتيجة هي معادلة غير محسومة: لا حرب تنتهي بإخضاع كامل، ولا سلام يُبنى على شروط طرف واحد. في هذا السياق، لا يعود السؤال الحقيقي: هل سيتم التوصّل إلى اتفاق؟ بل: أي اتفاق يمكن لترامب أن يوقّعه دون أن يهدم الرواية السياسية التي بنى عليها موقفه من إيران منذ سنوات؟

 

فأي تسوية واقعية ستتطلب، عملياً، تنازلات متبادلة: قيود على التخصيب مقابل تخفيف للعقوبات، وضبط للبرنامج النووي مقابل إعادة إدماج اقتصادي تدريجي. لكن هذه الصيغة تحديداً هي ما يجعل الاتفاق صعب التسويق داخل الولايات المتحدة، لأنها تقترب في بنيتها من منطق الاتفاق الذي انسحب منه ترامب وهاجمه بشدة.

 

وهنا تتجلى الأزمة في أعمق صورها: ليس في القدرة على الوصول إلى اتفاق، بل في القدرة على الاعتراف بطبيعته. فالرئيس الذي قد يضطر إلى توقيع تسوية براغماتية، سيحاول في الوقت نفسه تقديمها كإنجاز استثنائي، رغم أن جوهرها قد لا يبتعد كثيراً عن منطق التسويات التي سبقته.

 

بالتوازي، فإن الحديث عن الحسم العسكري يبدو أقرب إلى أداة ضغط منه إلى خيار قابل للاكتمال. فالحرب لم تنتج انهياراً سياسياً، والعقوبات لم تحقق تغييراً جذرياً في السلوك الاستراتيجي، فيما بقيت كلفة التصعيد الإقليمي والعالمي عاملاً ضاغطاً على جميع الأطراف، بما فيها حلفاء واشنطن.

 

هكذا يجد ترامب نفسه أمام معادلة مغلقة: التصعيد لا يحقق الحسم، والاتفاق لا يمنح النصر السياسي الكامل الذي ينسجم مع خطابه. وبين الاثنين تتبلور أزمة قرار حقيقية لا تتعلق بإيران وحدها، بل بصورة الرئيس الذي بنى مشروعه السياسي على فكرة القدرة على تجاوز حدود من سبقوه، ليكتشف أن بعض الملفات لا تُحسم، بل تُدار بالتوازنات الممكنة أكثر مما تُحسم بالشعارات.

 

- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

 

ترامب. (أ ف ب)

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية