ترامب في مواجهة ابتسامة شي الغامضة: "ربما" أبي أقوى من أبيك
وُلِد دونالد ترامب في الرابع عشر من حزيران/يونيو سنة 1946، في نيويورك، لمقاول ميسور، وكان في فمه حينها ملعقة من الذهب. بعد سبع سنوات ويوم واحد بالتحديد، 15 حزيران/يونيو 1953 سيولد في الطرف الآخر من الكوكب شي جينبينغ، بمنجل ومطرقة في كل يد، لوالد كان سياسياً بارزاً، وابن لأبي الأمة الصينية جمعاء، ماو تسي تونغ.
لم تؤثر الثورة الثقافية على ترامب بالطبع، كما أن شي لم يعرف ما هو مكدونالدز حتى عمر متقدم من حياته. وكلاهما صارع الحياة على طريقة بلده، ترامب كما نعلم، وتشي كما تريدنا الرواية الصينية أن نعلم، مراهقاً منفياً إبان "الثورة" في أواخر الستينات إلى قرية نائية، يؤدي واجبه في الأعمال اليدوية الشاقة ويأكل طعام الفلاحين البسيط ويعيش سبع سنوات في كهف بدائي محفور في الجبل ويخرج من التجربة رجلاً شيوعياً جباراً، لينضم إلى الحزب الشيوعي، وتجري به الأيام، وتجري بترامب من الناحية الأخرى، حتى يصلا إلى أن يكونا على رأس أعظم دولتين في العالم. شي سبق ترامب بالأحرى، وحين وصل الأخير أول مرة وجده كبير الصين، وغادر أربع سنوات وعاد ليجده في مكانه.
الرجلان ينتميان إلى البرج الفلكي نفسه، ويتناسقان طولاً وعرضاً، واهتماماً بإخفاء الشيب، كل بحسب لون صبغته المفضل. أي بحث في نقاط التشابه بين الزعيمين ينتهي هنا. الباقي في المقارنة هو التضاد التام. ابتسامة شي الحديدية المتقنة بشدة لئلا يُفهم منها إذا كانت مرحّبة أو مهدّدة أو نتيجة أفكار ساخرة تدور في خلد الزعيم الصيني، في مقابل ابتسامات ترامب الهوليودية وملامحه التي تتبدل بتبدّل أفكاره، حيث يمكن بسهولة ترجمة ما يدور في خلده ليس من عادته في الإسهاب بالكلام فحسب، بل من تعابير ملامحه التي تجعله مقامراً خاسراً على أي طاولة بوكر.
كل واحد فيهما نسخة طبق الأصل عن بلده. ترامب بفائض التعبير عن نفسه، وشي برصانة الصمت المطبق. ومع أنه ليس اللقاء الأول بينهما، إلا أنها دائماً فرجة لطيفة لوجود ترامب بالتحديد، وقد لا تتكرر للرئيس الصيني نفسه، على الأرجح، مع الرئيس الذي سيخلفه في البيت الأبيض.
لكنّ الصين كلام آخر...
شي هو الزعيم الذي لا ينظر إليه ترامب من فوق، من التلة العالية التي ينظر فيها ترامب إلى أميركا كما إلى شخصه. فلاديمير بوتين؟ الملك تشارلز؟ البابا؟ كل هؤلاء لا يملأون تماماً عين الأميركي الفخور. لكن الصين كلام آخر. هذه التجربة الاقتصادية والصناعية والتجارية العملاقة، من دون أن تحرّك زورقاً حربياً في بحر أو محيط، تكاد تكون مثار هوس الرئيس الأميركي ومحط كل مخاوفه وهمومه، وحسده العميق. تنين حقيقي يعرف ترامب أن من المستحيل تدجينه، وأخطبوط بأذرع تتناسل من بعضها، كلما حاول بتر ذراع نبتت من جذرها المبتور أذرع عديدة أخرى.
الذهاب إلى الصين ولقاء زعيمها، مهمة شاقة لدونالد ترامب، تبدو فيها ثقته ببلده مهزوزة، حيث يضطر إلى المبالغة بالاستعراض، فيجلب معه مدراء تنفيذيين لشركات مجموع قيمتها السوقية عشرات التريليونات، فقط ليقول لشي انظر، أبي أقوى من أبيك، ولن يتلقى من شي في المقابل إلا ابتسامة غامضة، لا هي مرحبة تماماً، ولا تنذر بتهديد محدد أو سخرية ما، لكنها لا شك توحي بأن في ذهن الرجل الصيني تدور أشياء عديدة، يحرص بشدة أن يبقى هذا الأميركي السهل الابتسام جاهلاً بها كلها.