تراجيديا زيان ودروس المخزن
قصة محمد زيان هي عبارة عن تراجيديا شيكسبيرية مكتملة الأركان، بطلها رجل كان، إلى وقت غير بعيد، أداة من أدوات المخزن الفعالة التي كانت تستعمل في مواجهة وتعقب كل من يغرد خارج السرب، قبل أن يتحول، بين عشية وضحاها، إلى معارض شرس للمخزن ذاته الذي كان لفترة طويلة من خدامه الأوفياء؛ لتنتهي به الرحلة بتذكرة ذهاب دون إياب قادته من بذخ فيلته بحي السويسي بالرباط، إلى صقيع زنزانة باردة بسجن العرجات بسلا.
الحقيقة هي أن حتى أكثر المتشائمين من الوضع الحقوقي الحالي، لم يكن يتوقع أن يعود زيان إلى السجن، ليس فقط لأنه بلغ من العمر ما لم يعد يسمح له بالبقاء خلف القضبان، بل لأن الكثيرين اعتقدوا أنه، من باب “اللي غلب يعف”، سيعود إلى حضن عائلته لقضاء ما تبقى من خريف عمره، بعدما أمضى أزيد من ثلاث سنوات رهن الاعتقال؛ لكن يبدو أن قدر زيان هو أن تذهب هذه التراجيديا إلى أبعد مداها، دون أي التفاتة لسنه، أو حتى للخدمات الجليلة التي قدمها فيما مضى.
ما الذي يمكن أن يجعل رجلاً كان، لعقود طويلة، مخزني أكثر من المخزن نفسه، ومنفذاً متفانياً لرغباته وتوجهاته، يختار فجأة سلك طريق كان مؤهلاً، أكثر من أي شخص آخر، ليعرف أنه سيقوده لا محالة إلى انتحار سياسي محتوم ؟ ما هي اللحظة الفارقة التي قرر فيها زيان خلع عباءة الولاء المطلق للمخزن وارتداء كفن المعارضة الانتحارية، وهو يدرك تمام الإدراك أن موازين القوى ليست في صالحه ؟ هل هي صحوة ضمير متأخرة قادته إلى القيام بـMea Culpa علنية أراد بها التطهر من ماضيه، أم هو مجرد صراع للأنا المتضخمة التي شعرت بالتهميش، فأبت إلا أن تهدم السقف على رأس الجميع ؟
قناعتي هي أن متاعب النقيب زيان، لم تبدأ عندما قرر الترافع عن ناصر الزفزافي ورفاقه سنة 2017، ثم عن توفيق بوعشرين في 2018؛ ولعل الناس ينسون أن صهر زيان، الذي لم يكن سوى أحمد رضا كديرة، صديق ومستشار الحسن الثاني منذ أن كان ولياً للعهد إلى حين وفاته سنة 1995، كان محامياً للطيار حميد بوخالف الذي قصف الطائرة الملكية في انقلاب 1972.. متاعب زيان الحقيقية، انفجرت في وجهه حين قرر القفز من جبة المحامي الذي كان يترافع في ردهات المحاكم عن الزفزافي وبوعشرين، إلى خندق المعارض الذي يقصف في كل الاتجاهات عبر قناته على اليوتيوب، وتصريحاته العابرة للقارات في الصحافة الأجنبية؛ وهي الشجاعة (أو ربما التهور) التي لم يجرؤ عليها حتى أشرس حقوقيي وصحافيي هذا الوطن، الذين لم تكن لهم يوماً شراكة مع البنية ذاتها التي خرج زيان لجلدها.
الواقع أن ثمة منطقاً آخر يحكم هذه القضية، بحيث يصعب كثيراً على من كان، لسنوات طويلة وفي محطات مفصلية، شريكاً للدولة في تصريف مواقفها ورسم حدودها تجاه بعض الأشخاص والأحداث، أن يتحول، بمجرد الاستغناء عن خدماته، إلى معارض شرس للدولة والجهات ذاتها التي صنعت، في وقت من الأوقات، مجده وكانت سبباً في سطوته ونفوذه.. والحال أن زيان، الذي رافق سنة 1991 أبرهام السرفاتي من سجن القنيطرة إلى المطار لطرده من المغرب بلا وثيقة ولا جواز بذريعة أنه برازيلي، هو نفسه الذي ترافع باسم الدولة ضد نوبير الأموي سنة 1992، ورفض سنة 1995، عندما كان وزيراً لحقوق الإنسان، صرف تعويضات لضحايا تازمامارت متهكماً عليهم بقوله : “حمدو الله اللي خرجتوا حيّين”، وصولاً إلى دوره كمحام للبلجيكي الذي استُعمل حطباً لإحراق مجلة لوجورنال سنة 2006، ومطالبته بتغريم مديرها بوبكر الجامعي نصف مليار سنتيم؛ لا يحق له، أخلاقياً وسياسياً، في نظر الجهات إياها، أن يخرج بعد كل هذا المسار الطافح بالخدمات، لتوزيع دروس في الديمقراطية وانتقاد توجهات الدولة وممارساتها، متناسياً أن ذاكرة المخزن لا يمكن أن تمحو، بخرجة إعلامية أو تصريح صحفي، سجلاً حافلاً خطّه هو بنفسه، بمداد كان يراه وقتها مقدساً ما دام يخدم مصالح السيستيم.
أعتقد أن مفتاح حل قضية محمد زيان لم يعد يوجد داخل ردهات المحكمة، بل خلف كواليس السياسة التي تتطلب فتح قناة حوار مباشرة بينه وبين من ينوب عن الدولة، تماماً كما حصل سنة 2024 مع بوعشرين والريسوني والراضي؛ لأن هذه هي المقاربة الكفيلة بتهييئ أرضية تضع حداً لهذا المسلسل المنهك، وتعيد زيان إلى بيته لقضاء ما تبقى من عمره في هدوء. الحكمة اليوم تقتضي أن يقوم كل طرف بخطوة تجاه الآخر لطي هذه الصفحة في أقرب وقت لأنه، بعيداً عن كل الحسابات والحساسيات، تبقى صورة المملكة هي المتضرر الوحيد من بقاء هذا الملف مفتوحاً على كل الاحتمالات.