تحقيق "بيت الأخوات" في سوريا... شبكة عزل واستقطاب خلف قصص اختفاء الفتيات
أثار تحقيق جديد أصدرته الآلية السورية للتحقيق بعنوان "الهندسة الديموغرافية والسيطرة القسرية وتفكيك الروابط الأسرية في سياق النزاع السوري: دراسة حالة منظومة بيت الأخوات" جدلاً واسعاً، بعدما قدّم رواية تتجاوز حوادث اختفاء فتيات متفرقة إلى ما وصفه بشبكة من العلاقات والأدوار التي تعمل على الاستقطاب والعزل وإعادة تشكيل العلاقة بين الفتيات وأسرهن. ويربط التحقيق بين نشاطات دعوية وتمويلية وإدارية ودينية في سوريا، معتبراً أن تكرار المؤشرات نفسها في أكثر من حالة يكشف نمطاً متشابهاً لا مجرد وقائع منفصلة.
الصدمة في النمط لا في الأسماء
وفي حديثه إلى "النهار"، يختصر مدير آلية التحقيق السورية ياسر شالتي جوهر التحقيق بعبارة حاسمة: "الصدمة الحقيقية لم تكن في الأسماء بحد ذاتها، بل في النمط". فالأسماء، كما يقول، قد تثير الجدل، لكن ما يثير القلق هو تكرار المؤشرات وتشابه السلوكيات في أكثر من حالة، بما يجعل الملف غير قابل للقراءة كوقائع معزولة، بل كآليات وسياقات وعلاقات سمحت بتكرارها.
من هذه الزاوية، لا يظهر "بيت الأخوات" كمكان غامض في جبلة فقط، بل كإطار لعزل الفتيات وإعادة تشكيل علاقتهن بأسرهن وبيئاتهن. التحقيق يتحدث عن "تجمع من أجل أمة" بوصفه غطاءً دعوياً وتربوياً يعمل ضمن مظلة وزارة الأوقاف، ويربطه بشخصية خالد أبو علي، كما يورد "مؤسسة الذهبي" بوصفها شرياناً مالياً ولوجستياً يديره هاني دهب المعروف بـ"الشيخ الذهبي"، مع ذكر أمجد الشامي وراشد المشرف ضمن نشاطاتها في دمشق وريفها.
أما "بيت الأخوات"، فيعرضه التحقيق كجناح نسائي تنفيذي تدور حوله أسماء ميساء عبود وهند عثمان الطباع، المعروفة بـ"أم ريان"، بالتنسيق مع الشيخ عبد القادر البكور. كما يورد أسماء عامر غزال، رئيس شعبة أوقاف جبلة، وخالد عمرو، مدير أوقاف اللاذقية، وهاني وهبة، في سياق التنسيق الإداري والغطاء المحلي، ويتحدث عن حماية ونفوذ محليين ينسبهما إلى الشيخ صالح الدين أبو همام ونائبه المعروف باسم أبو نديم. وفي مستوى الفتوى، يبرز اسم عبد الرزاق المهدي من خلال فتوى حرّمت إعادة بتول علوش إلى عائلتها، بما نقل الفتوى من موقع الرأي الديني إلى وظيفة عملية داخل آلية الوصاية والعزل.
شالتي يضع هذه الأسماء داخل وظيفة لا داخل قائمة. يقول إن "التحقيق نقل النقاش من مستوى الحادثة الفردية إلى مستوى فهم الآليات والسياقات والعلاقات التي سمحت بظهور هذه الحالات وتكرارها". وعن منهجية التثبت، يوضح أن الآلية اعتمدت على شهادات مباشرة وغير مباشرة، ومراجعة محتوى منشور، ومقارنة روايات مستقلة، والتحقق من البيانات عبر أكثر من مصدر، مؤكداً أنه لم يتم نشر أي اسم أو معلومة "إلا بعد الوصول إلى درجة معقولة من الثقة بصحتها، والتحقق من ارتباطها المباشر بموضوع التحقيق لا بمجرد تداولها في المجال العام".
وفي توصيف البنية، لا يجزم شالتي بوجود قيادة مركزية واحدة، لكنه يذهب إلى ما هو أخطر عملياً، وهو "نمط التعاون". فالتحقيق، كما يقول، رصد "تداخلات بين عدد من الفاعلين"، أما توصيف ذلك كبنية منظمة ذات قيادة مركزية فيحتاج إلى أدلة إضافية. الثابت لديه هو وجود نمط تعاون أدى إلى نتائج متشابهة: "تواصل أو استقطاب، ثم انقطاع عن الأسرة، ثم ظهور رواية جديدة تنفي الخطف أو تعرض الانقطاع كخيار ديني مستقل".
من بتول علوش إلى مريم سلطان
ضمن هذا النمط، تظهر حالات بتول علوش، ولارا أحمد، ومريم فائز سلطان. بتول، الطالبة في المعهد التقاني الطبي بجامعة تشرين، تحولت إلى عنوان واسع بعد اختفائها وظهورها في تسجيل تقول فيه إنها لم تُخطف. لارا أحمد يرد اسمها كقاصر ارتبطت حالتها بادعاء زواج ونفي للخطف. ومريم فائز سلطان تظهر كحالة اختفاء ثم ظهور لاحق في جبلة. التفاصيل لا تتطابق، لكن البنية العامة واحدة: انقطاع، وصاية، رواية علنية، وغياب تحقيق رسمي كافٍ.
قضية بتول، في قراءة شالتي، لم تكشف "بيت الأخوات" لأنها الوحيدة، بل لأنها جاءت في سياق أوسع من الأسئلة والمعلومات التي كانت تتجمع تدريجياً. وقد أخذت صدى أكبر، كما يقول، بسبب "شجاعة أهلها وإصرارهم على سرديتهم"، ما سمح باستخلاص مؤشرات أساسية انطلق منها التحقيق.
الرد الرسمي لم يغلق الملف. شالتي يقول إن "الآلية سعت إلى الحصول على ردود وتوضيحات من الجهات المعنية، من دون أي رد رسمي"، ونفي وزارة الشؤون الاجتماعية لم يجب عن الأسئلة المطروحة، لأنه "نفى وجود ترخيص، لكنه لم ينفِ وجود النشاط". ولذلك لا تقف المسألة عند سؤال الترخيص، بل عند سؤال الوجود والتمويل والإشراف والحماية ودور المؤسسات التي وردت في التحقيق.

اختبار لسيادة الدولة
قانونياً، يضع التحقيق هذه الوقائع ضمن توصيفات ثقيلة: السيطرة القسرية، العزل الاجتماعي، التحكم النفسي والديني، استغلال حالة الضعف، الإتجار بالأطفال عند استقطاب القاصرات وإيوائهن أو تزويجهن، وتأسيس قضاء موازٍ عبر الفتاوى التي تسحب الولاية من الدولة وتمنحها لمرجعيات دينية وأمنية. كما يرى أن "ثغرات قانون الأحوال الشخصية وإجراءات إشهار الإسلام تسمح بتحويل وثائق شكلية إلى أدوات لقطع العلاقة بين الفتاة وأسرتها".
ولا يعزل التحقيق هذه الوقائع عن المناخ العام في سوريا. شالتي يرى أن "أي بيئة يسودها الاستقطاب الحاد وخطابات الإقصاء والتمييز تصبح أكثر قابلية لظهور ممارسات مشابهة تعمل في الظل أو تستفيد من الشد الطائفي والعصبي". بهذا المعنى، يتحرك "بيت الأخوات" في بيئة تجعل العزل أكثر قابلية للتبرير، والصمت الرسمي أكثر خطورة.
وتنتهي خريطة الطريق التي يقترحها التحقيق إلى مراجعة المرسوم 16 لعام 2018 الذي وسّع سلطة وزارة الأوقاف، وتعديل إجراءات إشهار الإسلام والزواج بما يفرض فحص السيطرة القسرية، وحظر النشاط الدعوي داخل الجامعات والمدارس والسكن الجامعي، وفتح تحقيقات مالية وجنائية في الكيانات غير المرخصة، وملاحقة الفتاوى التي تشرعن احتجاز النساء أو القطيعة الأسرية، وتصنيف ملفات القاصرات ضمن إطار الاختفاء القسري والاحتجاز غير المشروع والإتجار بالبشر عند تحقق عناصرها.
في الخلاصة، لا يقدم التحقيق "بيت الأخوات" كقضية مكان، بل كاختبار لسيادة الدولة وقدرتها على حماية الأفراد حين تتداخل الدعوة بالوصاية، والفتوى بالحماية، والنفي الرسمي بغياب التحقيق. وبين كلام شالتي عن النمط، وخريطة الأدوار التي يرسمها التحقيق، يتقدم الملف بوصفه إنذاراً مبكراً، فحرية القرار لا تُقاس بتسجيل مصوّر، بل بالظروف التي سبقت الكلام، وبمن كان يملك المكان والسلطة والحماية والرواية.