تحت سقف واحد: ثلاث أجيال وصراع النفط النفسي
د. طلال الخزرجي - طبيب وكاتب
عندما تلتقي ثلاثة أجيال في مجلس واحد، نادراً ما يتحدثون صراحة عن المال. لكن المال حاضر في صمتهم، في لهجة العتاب، في النظرات الطويلة، وفي ذلك الإحساس الغامض بأن كل جيل يظن أن الآخر "لم يفهم شيئاً من الحياة". هذه ليست مجرد فوارق جيلية عادية، بل هي حالة نفسية مركبة، نتاج خمسين عاماً من التحول الدرامي من الفقر المدقع إلى الوفرة النفطية، ثم إلى حالة من الترقب والتراجع الاقتصادي. لفهم هذه الظاهرة، لا بد من تفكيك نفسية كل جيل كما لو كانت شخصية مستقلة في مسرحية واحدة.
جيل الأجداد عاش في بيئة الكفاف. بالنسبة إليه، المال ليس أرقاماً في تطبيق مصرفي، بل هو العرق والظهر المنحنى والجوع الذي يُكتم. يتمتع هذا الجيل بعقلية الندرة، حيث خُلق ليفكر في لقمة الغد، لا في الاستثمار أو التخطيط لسنوات. كما يتميز بالتصلب الانفعالي، لأن الصدمات المتكررة من فقد المحاصيل والوفيات والفقر المدقع جعلته يبني جداراً سميكاً ضد الشفقة على الذات. القيم الوظيفية لديه تجعل العمل ليس خياراً، بل هو الامتداد الطبيعي للتنفس. نظرته للآخرين تتجلى في أنه يرى أبناءه من جيل الأبناء بنظرة امتنان خشن فيقول "الحمد لله أنهم أحسن من زمننا"، لكنها ممزوجة بحسرة "صاروا ناعمين ما يتحملون شمس". أما حيال أحفاده فيشعر بقلقٍ خفي يتحول أحياناً إلى لوم فيقول "المال دمّرهم"، وأحياناً إلى شفقة مريرة بقوله "ما راح يعيشون". المفارقة المؤلمة أن الجد يظن أن المال حلّ كل شيء، لكنه يكتشف أنه خلق مشاكل لم يعرفها من قبل: الملل، القلق الوجودي، والتفكك الأسري. إنه بطل بلا معركة.
جيل الأبناء هو الأكثر تعقيداً نفسياً، لأنه الوحيد الذي عاش طرفي المعادلة: طفولته فقراً، شبابه واعد، وكهولته متفاجئة بأن الثروة تقسمت وتضاءلت. يعاني هذا الجيل من التنافر المعرفي، إذ يحمل في رأسه قيمتين متناقضتين: "أعمل وأجتهد كما فعل أبي" و"أستمتع وأصرف كما يفعل أبنائي"، ولا يستطيع التوفيق بينهما. كما يعاني من شعور بالذنب التاريخي، إذ يشعر أنه "سرق" راحة أبيه الذي تعب وأعطاها لأبنائه الذين لم يتعبوا. ويعاني أيضاً الحرمان من التخطيط، لأنه لم يتعلم كيف يدير الثروة إذ لم يرَ نموذجاً، فوالده كان خبيراً في الفقر وليس خبيراً في المال. نظراته الى الآخرين تتمثل نظرته حيال أبيه بحيث يشعر بامتنان يخنقه العجز، يريد أن يكافئه لكنه لا يعرف كيف، والمال لديه بدا تافهاً. أما حيال أبنائه فيشعر بخذلان مزدوج: خذلهم لأنه لم يستطع أن يبقي لهم القمة، وخذلانه هو لأنهم لم يكونوا أقوياء ليواجهوا الهبوط. المفارقة المؤلمة أن الأب الذي بدأ من الصفر ووصل إلى القمة، يجد نفسه الآن "يتسول الاحترام" من أبنائه الذين اعتادوا القمة كأنها حق إلهي. هو لم يهبط مالياً فقط، بل هبط رمزياً.
جيل الأحفاد هو المفاجأة الصادمة لهذه الحكاية، لأنهم لم يختبروا الفقر ولا حتى التحول، بل اختبروا الوفرة كحقيقة مطلقة، ثم اكتشفوا أن تلك الحقيقة كانت مجرد "فقاعة تاريخية" بدأت تنكمش. يتميز هذا الجيل بالحرمان النسبي، إذ لا يقارن نفسه بجده الفقير، بل يقارن نفسه بوالده الغني، فالفرق بينه وبين أبيه هو الذي يؤلمه، وليس الفقر الحقيقي. كما يعاني من صدمة الهبوط الاجتماعي، فالمخ البشري يتألم من خسارة الرفاهية أكثر مما يتألم من عدم امتلاكها أصلاً، والأحفاد يعانون من هذا تحديداً. ويعاني أيضاً من اكتئاب التوقعات، إذ ليس لديهم نموذج للنجاح يناسب عصرهم، فالنجاح بالنسبة لهم هو "أن يكونوا مثل أبي في الثمانينات والتسعينات"، وهذا مستحيل. نظراته للآخرين تتجلى في اتجاه جده إذ يشعر بشفقةٍ خالية من الفهم فيقول "مسكين جدي، ما عاش حياته"، من دون أن يدرك أن جده ربما كان أسعد نفسياً لأنه كان يملك هدفاً واضحاً هو البقاء على قيد الحياة. أما حيال أبيه فيشعر بخذلان يتحول أحياناً إلى غضب صامت فيقول "أنتم من علقتمونا بهذا المستوى ثم تركتمونا"، من دون أن يرى أن أباه ضحية تحولات اقتصادية أيضاً. المفارقة المؤلمة أن الحفيد الذي لم يعرف الجوع يعاني من جوع نفسي أشد إيلاماً: جوع إلى المعنى، إلى الاستقرار، إلى هوية لا تعتمد على المال، لكنه لا يملك أدوات هذا الجوع لأنه لم يتعلم سوى الاستهلاك.
الخلاصة العاطفية أن لا أحد في هذه العائلة يشعر أنه مفهوم. كل يظن أن الآخرين "عاشوا حياة أسهل" أو "لم يعانوا مثلي". لكن الحقيقة أن كل جيل عانى بطريقته: الجد عانى الجوع، الأب عانى الحيرة، والحفيد يعاني انهيار المعنى. من الإنصاف القول إنه لا يوجد جيل "سيء" وآخر "صالح"، فكل جيل هو نتاج ظروفه. الجد لم يكن مقصراً لأنه لم يخطط للمستقبل، فالتخطيط رفاهية لا يعرفها الجائع. الأب لم يكن مقصراً لأنه دلع أبناءه، بل كان يحاول ألا يكرر أخطاء والده القاسية. الحفيد ليس مقصراً لأنه "مدلل"، فقد تربى في بيئة علمته أن الرفاهية هي الوضع الطبيعي، فكيف يلام على صدمته حين اهتزت الأرض تحته؟ المشكلة ليست في الأشخاص، بل في سرعة التحول، وفي أن القيم لم تواكب الثروة. انتقل المجتمع من الفقر إلى الوفرة في أقل من عشرين سنة، وهذا أسرع مما تستطيع النفس البشرية استيعابه.
أما نظرة الحيرة إلى المستقبل فتحتم ثلاثة سيناريوات نفسية محتملة: السيناريو الأول الأكثر ترجيحاً وهو التكيف المؤلم، بحيث يبدأ الأحفاد تدريجاً بتعديل توقعاتهم نحو الأسفل، ويتعلمون التعامل مع مستوى أقل من الرفاهية، لكن الثمن سيكون ثقيلاً يتمثل في فقدان الثقة بين الأجيال وشعور دائم بالحنين إلى زمن لن يعود. وقد يعيش هذا الجيل حزناً مزمناً لا يعترف به أحد. السيناريو الثاني هو الصراع العلني، فإذا استمر التدهور الاقتصادي فقد يتحول الخذلان الخفي إلى مواجهة صريحة، إذ يلوم الأحفاد آباءهم علناً "لأنهم فرّطوا في المال"، ويقول الأجداد "قلنا لكم المال يفسد"، وقد تتفكك العائلة تحت وطأة اللوم المتبادل. السيناريو الثالث وهو الأصعب لكن الأكثر صحة هو الوعي الجديد، وفيه يدرك الجميع أن المال ليس هوية، عندها قد يحدث تحول ثقافي حقيقي بحيث يتوقف الجد عن الشعور بأنه الوحيد الذي يعرف الحياة، ويتوقف الأب عن الشعور بالذنب، ويتوقف الحفيد عن لوم الآخرين، وقد يكتشفون معنى جديداً للنجاح لا يعتمد على حجم البيت أو السيارة. لكن هذا السيناريو يتطلب شيئاً نادراً في مجتمعات النفط: الجرأة في نقد الذات الجماعية.
ما يحدث لهذه الأجيال الثلاثة ليس كارثة، بل هو عودة إلى التوازن الطبيعي. الوفرة النفطية كانت طوفاناً موقتاً، والآن بدأ الماء ينحسر. الشعور بالألم ليس دليلاً على الظلم، بل هو دليل على أننا كنا نعيش فوق مستوى قدرتنا النفسية على التحمل. ربما العلاج الحقيقي ليس في مزيد من المال، بل في إعادة تعريف ما يعنيه أن تكون إنساناً ناجحاً في زمن لم يعد فيه المال وفيراً وسهلاً. الجد كان ناجحاً لأنه صمد، وربما نجاح الأحفاد سيكون في قدرتهم على تقبل أن الرفاهية ليست موطناً، بل كانت زيارة قصيرة، وهو ما يجعلهم في النهاية ينتجون جيلاً رابعاً يمتلك مزيجاً من الأجيال الثلاثة السابقة، قادراً على البقاء والتكيف وصوغ قوته من مزيج الأجيال الثلاثة السابقة ومزيج جروح الماضى و أحلامه.