تحالف "كواد" يعود إلى الواجهة... هل تقترب الولايات المتّحدة من بناء "ناتو آسيوي" لمواجهة الصّين؟
عاد تحالف "كواد" الرباعي إلى واجهة المشهد الاستراتيجي في آسيا بعد إعلان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من نيودلهي حزمة مبادرات جديدة لتعزيز الأمن البحري والتعاون التكنولوجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويثير هذا التحرك تساؤلات متزايدة عمّا إذا كانت الولايات المتحدة تمضي نحو بناء إطار أمني يشبه "ناتو آسيوياً" لمواجهة النفوذ الصيني المتصاعد، أم أن "كواد" سيبقى منصة للتنسيق السياسي والأمني بين أعضائه من دون أن يتحول إلى تحالف عسكري رسمي.
وفي قمة وُصفت بالمحورية في العاصمة الهندية، أعلن روبيو إحياء مبادرات تحالف "كواد" وتطويره، وهو الذي يضم الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا، بهدف تعزيز مراقبة الملاحة البحرية وتأمين الموارد الحيوية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وتحتل هذه المنطقة موقعاً محورياً في عقيدة الأمن القومي الأميركي، باعتبارها الساحة الرئيسية لمنافسة الصين. ومن هذا المنطلق، تسعى واشنطن وشركاؤها إلى ضمان بقاء الممرات المائية الحيوية، مثل مضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي، مفتوحة وآمنة أمام حركة التجارة العالمية.
ويأتي إحياء "كواد" بعد نحو خمس سنوات على إطلاق تحالف "أوكوس"، الشراكة الأمنية والدفاعية الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، والهادفة إلى تعزيز القدرات العسكرية الغربية في مواجهة النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة.
وبذلك تكون واشنطن قد نسجت شبكة من الشراكات والتحالفات في المحيطين الهندي والهادئ، يجمع أحدها بين الطابع العسكري المباشر كما في "أوكوس"، فيما يركز الآخر على التنسيق الأمني والسياسي كما في "كواد".
وفي هذا السياق، يرى الديبلوماسي الأميركي السابق ريتشارد شميرر أن هذه الترتيبات تعكس "جهداً تبذله الدول الكبرى ذات المصالح المشتركة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ للتنسيق بشأن قضايا الأمن البحري ومراقبة النفوذ والأنشطة الاقتصادية والعسكرية الصينية المتنامية".
وفي حديثه إلى "النهار"، يستبعد شميرر أن يتحول "كواد" إلى نسخة آسيوية من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، معتبراً أنه سيبقى "آلية للتنسيق والتشاور أكثر منه تحالفاً أمنياً على غرار الناتو". لكنه أشار في المقابل إلى أن بكين تنظر إلى هذا التكتل باعتباره مبادرة تستهدف الحد من تمدد نفوذها الإقليمي.

الهند... الشريك الذي تحتاجه واشنطن
يشكل انضمام الهند إلى "كواد" أحد أبرز عناصر قوة التحالف، نظراً إلى ما تمثله من ثقل اقتصادي وتكنولوجي وعسكري، فضلاً عن موقعها الجغرافي المطل على أهم طرق الملاحة في المحيط الهندي.
ويشرح رئيس تحرير صحيفة "كيرالاسابدام" الهندية الأسبوعية مادو بالاكريشنان أن نحو ثلثي النشاط الاقتصادي العالمي يمر عبر منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما يجعل أمن الممرات البحرية أولوية استراتيجية للدول الكبرى.
ويضيف بالاكريشنان، في حديثه إلى "النهار"، أن الاختناقات البحرية والكابلات البحرية للاتصالات ومكافحة الإرهاب والمراقبة البحرية تمثل ملفات أساسية تدفع نحو تعزيز الشراكات الإقليمية، سواء عبر "كواد" أو من خلال أطر تعاون أخرى في آسيا.
وتعود فكرة "كواد" إلى رئيس الوزراء الياباني الأسبق شينزو آبي عام 2007، بعدما نشأت نواتها الأولى عقب كارثة تسونامي عام 2004. غير أن المشروع تعثر لسنوات قبل أن يعود إلى الواجهة خلال قمة "آسيان" عام 2017 مع تصاعد القلق من توسع النفوذ الصيني.
ورغم الحماسة الأميركية لإحياء التحالف، لا تزال هناك تباينات بين أعضائه بشأن طبيعته وأهدافه. فالهند لا ترغب في الانخراط ضمن تحالف عسكري مباشر ضد الصين، خصوصاً في ظل تعقيدات علاقتها مع باكستان وحساباتها الإقليمية الخاصة.
ويقول بالاكريشنان إن الولايات المتحدة "غير قابلة للتنبؤ"، معتبراً أن واشنطن تدفع نيودلهي تدريجياً نحو مواجهة أكثر حدة مع بكين، في وقت تواصل فيه الصين تعاونها الوثيق مع باكستان وتتبنى مواقف تتعارض مع المصالح الهندية في عدد من الملفات.
أستراليا... الحلقة الأكثر التصاقاً بالاستراتيجية الأميركية
تمثل أستراليا نقطة ارتكاز أساسية في كل من "كواد" و"أوكوس"، مستفيدة من تحالفها التاريخي مع الولايات المتحدة وموقعها الجغرافي المؤثر في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ.
ويشير الصحافي الأسترالي المتخصص في شؤون جنوب شرق آسيا يوسف أبو عمّار إلى أن أستراليا تستضيف منشآت استراتيجية أميركية مهمة، من بينها قواعد عسكرية ومحطات متقدمة للأقمار الاصطناعية.
ويعتبر أبو عمّار أن أهداف "كواد" ترتبط بصورة مباشرة بمحاولة الحد من التمدد الصيني في الجزر المحيطة بأستراليا، موضحاً أن الاتفاق يشمل مشاريع تتعلق بالبنية التحتية والكابلات البحرية وسلاسل الإمداد وتبادل البيانات الفضائية لتعزيز قدرات المراقبة البحرية.
ويرى أن هذه العناصر مجتمعة تكشف طبيعة التحالف وأهدافه الاستراتيجية الرامية إلى تطويق النفوذ الصيني في المنطقة.

لماذا تخشى الصين "كواد"؟
قوبلت مخرجات قمة "كواد" برفض صيني واضح، إذ انتقدت وزارة الخارجية الصينية ما وصفته بمحاولات إحياء عقلية الحرب الباردة وإنشاء تكتلات حصرية في آسيا.
واتهمت بكين واشنطن بالسعي إلى تحويل "كواد" إلى ما يشبه "ناتو آسيوياً"، محذرة من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى زيادة التوترات في الممرات البحرية الحيوية وتهدد الاستقرار الإقليمي.
وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ إن التعاون بين الدول "يجب أن يسهم في السلام والاستقرار والازدهار الإقليمي، وألا يستهدف أي طرف ثالث".
وبينما تنفي واشنطن أن يكون هدفها إنشاء نسخة آسيوية من حلف الأطلسي، فإن توسع شبكة الشراكات الأمنية والعسكرية الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ يعزز الانطباع السائد في بكين بأن المنافسة بين القوتين دخلت مرحلة أكثر تنظيماً ومؤسساتية، عنوانها الرئيسي احتواء الصعود الصيني وإعادة رسم موازين القوى في آسيا.